ابن خلكان
54
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
آثاره تنبيك عن أخباره * حتى كأنك بالعيان تراه قدم في الثرى وهمة في الثريا ، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيّا ، أغفل المرابطون حله وربطه ، حتى دبّ دبيب الفلق في الغسق ، وترك في الدنيا دويا ، أنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم ، لما كان لعزمه فيها بمسلم ، وكان قوته من غزل أخت له رغيفا في كل يوم بقليل سمن أو زيت ، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا ، ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه ، فأمر بضم ذلك جميعه وأحرقه وقال : من كان يتبعني للدنيا فما له عندي إلا ما رأى ، ومن تبعني للآخرة فجزاؤه عند اللّه تعالى . وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيبا منيع الحجاب ، إلا عند مظلمة ، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه ، وكان له شعر فمن ذلك قوله : أخذت بأعضادهم إذ نأوا * وخلّفك القوم إذ ودعوا فكم أنت تنهى ولا تنتهي * وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر الشّحذ حتى متى * تسن الحديد ولا تقطع وكان كثيرا ما ينشد : تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد وكان أيضا يتمثل بقول المتنبي : إذا غامرت في شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير * كطعم الموت في أمر عظيم وبقوله أيضا : ومن عرف الأيام معرفتي بها * وبالناس ، روّى رمحه غير راحم فليس بمرحوم إذا ظفروا به * ولا في الردى الجاري عليهم بآثم وبقوله أيضا :