ابن خلكان

50

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

صحة هذا القول عنه ، ليعلم بتعرّية عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتضرونه « 1 » به ، مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة ، فهل بلغك يا قاضي أن الخمرة تباع جهارا ، وتمشي الخنازير بين المسلمين ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ وعدّد من ذلك شيئا كثيرا . فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء ، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه ، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلم أحد منهم ، فقال مالك بن وهيب ، وكان كثير الاجتراء على الملك : أيها الملك ، إن عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها ، وإن تركتها لم تأمن غائلتها ، فقال الملك : ما هي ؟ قال : إني خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أنك تعتقله وأصحابه ، وتنفق عليهم كل يوم دينارا لتكتفي شره ، وإن لم تفعل ذلك لتنفقن عليه « 2 » خزائنك كلها ، ثم لا ينفعك ذلك . فوافقه الملك على ذلك ، فقال له وزيره : يقبح منك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ثم تسيء إليه في مجلس واحد ، وأن يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك ، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه ، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره وصرفه ، وسأله الدعاء . وحكى صاحب كتاب « المغرب في أخبار أهل المغرب » أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك ، فقال : أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت « 3 » ؛ انتهى كلامه . فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم : لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب ، فما نأمن من أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه ، وإن لنا بمدينة أغمات أخا في اللّه ، فنقصد المرور به فلن نعدم منه رأيا ودعاء صالحا ، واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم ، وهو من فقهاء

--> ( 1 ) ق بر من : وتطرونه . ( 2 ) مج بر من والمختار : لتنفقن عليك . ( 3 ) ت مج بر من : ما استطعت حتى أغيره .