ابن خلكان
410
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وقال عبد اللّه بن رجاء « 1 » : كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف ، يعمل نهاره أجمع ، حتى إذا جنّه الليل رجع إلى منزله ، وقد حمل لحما فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب ، حتى إذا دب الشراب فيه غرّد بصوت ، وهو يقول : أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة ، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله ، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه ، فقيل : أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس ، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد ، وركب بغلته ، واستأذن على الأمير ، فقال الأمير : ايذنوا له وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته « 2 » ، ففعل ، ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه ، وقال : ما حاجتك ؟ فقال : لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال ، يأمر الأمير بتخليته ، فقال : نعم ، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا ، فأمر بتخليتهم أجمعين ، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه ، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال : يا فتى أضعناك ؟ فقال : لا ، بل حفظت ورعيت جزاك اللّه خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق ، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان عليه . وقال ابن المبارك « 3 » : رأيت أبا حنيفة في طريق مكة ، وشوي لهم فصيل سمين ، فاشتهوا أن يأكلوه بخلّ فلم يجدوا شيئا يصبون فيه الخل ، فتحيروا ، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل « 4 » حفرة وبسط عليها السفرة ، وسكب الخل على ذلك الموضع ، فأكلوا الشّواء بالخل ، فقالوا : تحسن كل شيء ، فقال : عليكم بالشكر ، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلا من اللّه عليكم .
--> ( 1 ) انظر القصة في تاريخ بغداد 13 : 362 والأغاني 1 : 389 . ( 2 ) ببغلته : سقطت من ع ر والمختار وتاريخ بغداد . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 : 365 . ( 4 ) ع : الأرض .