ابن خلكان

339

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

قال الراوي : فاشتد طرب الأمير تميم وأفرط جدا ، ثم قال لها : تمنّي ما شئت ، فقالت ، أتمنى عافية الأمير وسلامته ، فقال : واللّه لا بد أن تتمني ، فقالت : على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى ؟ قال ، نعم ، فقالت : أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد ، قال : فانتقع لون الأمير تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس ، وقام وقمنا . قال ابن الأشكري : فلقيني بعض خدمه وقال لي : ارجع فالأمير يدعوك ، فوجدته جالسا ينتظرني ، فسلمت وقمت بين يديه ، فقال لي : ويحك ، رأيت ما امتحنا به ؟ فقلت : نعم أيها الأمير ، فقال : لا بد من الوفاء لها ، ولا أثق في هذا بغيرك ، فتأهب لتحملها إلى بغداد ، فإذا غنت هناك فاصرفها ، فقلت : سمعا وطاعة . قال : ثم قمت فتأهبت ، وأمرها بالتأهب ، وأصحبها جارية سوداء له تعادلها وتخدمها ، وأمر بناقة ومحمل ، فأدخلت فيه ، وجعلتها معي ، وصرت إلى مكة مع القافلة وقضينا حجّنا ، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا ، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء ، وقالت لي : تقول لك سيدتي : أين نحن ؟ فقلت لها : نزول بالقادسية ، فانصرفت إليها وأخبرتها ، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء ، وغنت الأبيات المذكورة ، قال : فتصايح الناس من أقطار القافلة : أعيدي باللّه أعيدي قال : فما سمع لها كلمة . قال : ثم نزلنا الياسرية ، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ، ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ، ثم يبكرون لدخول بغداد . فلما كان وقت الصباح وإذا بالسوداء قد أتتني مذعورة ، فقلت : مالك ؟ قالت : إن سيدتي ليست بحاضرة ، فقلت : ويلك ، وأين هي ؟ قالت : واللّه ما أدري ، قال : فلم أحس لها أثرا بعد ذلك ، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي منها ، وانصرفت إلى الأمير تميم فأخبرته خبرها ، فعظم ذلك عليه واغتم له غما شديدا ، ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا لها واجما عليها . والقادسية : بفتح القاف وبعد الألف دال مهملة مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضا وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء ساكنة ، وهي قرية فوق الكوفة ،