ابن خلكان

32

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

تبدلت من ظل عزّ البنود * بذل الحديد وثقل القيود وكان حديدي سنانا ذليقا * وعضبا رقيقا صقيل الحديد وقد صار ذاك وذا أدهما * يعض بساقيّ عض الأسود ثم إنهم حملوا إلى الأمير يوسف بمراكش ، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات ، واعتقله بها ولم يخرج منها إلى الممات ، قال ابن خاقان « 1 » : ولما أجلي « 2 » عن بلاده ، وأعري من طارفه وتلاده ، وحمل في السفين ، وأحل في العدوة محل الدفين ، تندبه منابره وأعواده ، ولا يدنو منه زوّاره ولا عوّاده ، بقي آسفا تتصعد زفراته ، وتطرد اطراد المذانب عبراته ، ولا يخلو بمؤانس ، ولا يرى إلا عرينا « 3 » بدلا من تلك المكانس ، ولما لم يجد سلوّا ولم يؤمل دنوّا ، ولم ير وجه مسرّة مجلوّا ، تذكر منازله فشاقته ، وتصور بهجتها فراقته ، وتخيل استيحاش أوطانه ، وإجهاش قصره إلى قطّانه ، وإظلام جوه « 4 » من أقماره ، وخلوه من حراسه وسماره . وفي اعتقاله يقول أبو بكر الداني المذكور قصيدته المشهورة التي أولها : لكلّ شيء من الأشياء ميقات * وللمنى من مناياهنّ غايات والدهر في صبغة الحرباء منغمس * ألوان حالاته فيها استحالات ونحن من لعب الشطرنج في يده * وربما قمرت بالبيدق الشاة قلت : هذا غلط ، فإن الشاه بالهاء الملك بالعجمي ، وإذا كان كذلك فلا تسلم له القافية ، لأنها على حرف التاء ، ثم قال : انفض يديك من الدنيا وساكنها * فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا وقل لعالمها الأرضي : قد كتمت * سريرة العالم العلوي أغمات

--> ( 1 ) القلائد : 23 . ( 2 ) القلائد : نقل ؛ ر : أخلي . ( 3 ) في النسخ : غريبا ، والتصويب عن القلائد . ( 4 ) ت : الوجوه .