ابن خلكان

319

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا تقيا للّه تعالى ، لم يهزم له جيش قط . 276 وكان والده نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان ، ومنزلته عنده مكينة . ولما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، لم يخرج معه ، فقال له معاوية : ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها ؟ فقال : لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري ، فقال : ومن هو ؟ قال : اللّه عز وجل ، فقال : وكيف لا أم لك ؟ قال : وكيف لا أعلمك هذا ، فأعض وأمصّ « 1 » ، قال : فأطرق معاوية مليا ، ثم قال : أستغفر اللّه ، ورضي عنه . وكان عبد اللّه بن مروان أخو عبد الملك بن مروان واليا على مصر وإفريقية ، فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له : أرسل موسى بن نصير إلى إفريقية ، وذلك في سنة تسع وثمانين للهجرة . وقال الحافظ أبو عبد اللّه الحميدي في كتاب « جذوة المقتبس » : إن موسى ابن نصير تولى إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين ، فأرسله إليها ، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند ، بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة ، فوجه ولده عبد اللّه ، فأتاه بمائة ألف رأس من السبايا ، ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى فأتاه بمائة ألف رأس . قال الليث بن سعد : فبلغ الخمس ستين ألف رأس ، وقال أبو شبيب « 2 » الصدفي : لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير . ووجد أكثر مدن إفريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها ، وكانت البلاد « 3 » في قحط شديد ، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين ، وخرج بهم إلى الصحراء ، ومعه سائر الحيوانات ، وفرق بينها وبين أولادها ، فوقع البكاء والصراخ والضجيج ، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار ، ثم صلى وخطب بالناس ، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك ، فقيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ فقال : هذا مقام لا يدعى فيه لغير

--> ( 1 ) في أكثر النسخ : فأغض وأمض . ( 2 ) ن : شيث . ( 3 ) لي : وكان الناس .