ابن خلكان

296

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ولا تتأخر . فقبل ذلك من الحاكم بالسمع والطاعة وانصرف ، ووصل إلى داره بمصر وأسهر نفسه واستنتج قريحته وجود فكرته وعمل ما أشار له في الكتابين ولم يزل في السهر إلى وقت السحر ، فاستحثه الرسل فقام ليتوضأ ويتهيأ إليه فعثرت رجله في المحبرة فتطرطش الكتابين ، فلطم وجهه ووقع مغشيا عليه وانقبض أهله ، وعلم أنه مقتول ، فوصى أهله الوصية التامة وركب وأخذ الكتابين في كمه مطويين ، ولم يزل إلى أن دخل من باب القاهرة ووصل إلى القصر مغلسا ، والرسل والحجاب منتظرون قدومه ، وحين وصل أذن له في الدخول ، فوجد الحاكم في الإيوان الكبير جالسا على سرير ، وبين يديه طشطان وعليهما قوارتان « 1 » ، فلما رأى الحاكم قبل الأرض ووقف صامتا فقال له : يا ولي الدولة اكشف هذين الطشطين ، فكشف عنهما فإذا في كل منهما رأس رجل ورأس امرأة ، فقال : هؤلاء اطلعنا منهم على قضية منحوسة وفساد لا ينبغي الصبر عليه ففعلنا بهم ما فعلنا ، وتلك الثوبان خذهما فصّلهما لأهلك ، امض لشأنك ، فخرج من بين يديه مغشيا عليه ، فأقام في الديوان إلى أن سكنت نفسه وهدأ روعه ، وكتب إلى أهله رقعة يأمرهم فيها بالسكون والسكوت إلى أن يجتمع بهم ] « 1 » . والحاكم المذكور هو الدي بنى الجامع الكبير بالقاهرة ، بعد أن كان قد شرع فيه والده العزيز باللّه - كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء اللّه تعالى - وأكمله وأبّده ، وبنى جامع راشدة بظاهر مصر ، وكان شروعه في عمارته يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، وكان متولي بنائه الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد ، والمصحح لمحرابه أبا الحسن علي بن يونس المنجم ، وقد تقدم ذكرهما ، وأنشأ عدة مساجد بالقرافة وغيرها ، وحمل إلى الجوامع من المصاحف والآلات الفضية والستور والحصر السامان ما له قيمة طائلة . وكان يفعل الشيء وينقضه . [ وخرج عليه في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني

--> ( 1 ) انفردت مج بهذه القصة ، وقد أبقيناها على حالها مع ما فيها مما لا يتفق والصحة اللغوية . ( 2 ) التاء غير معجمة في النسخة .