ابن خلكان
291
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وقال الشيخ أبو إسحاق في « الطبقات » : إنه مات قبل العشرين والثلثمائة ، رحمه اللّه تعالى . وذكره القاضي أبو عبد اللّه القضاعي في كتاب « خطط مصر » فقال : أصله من رأس عين وسكن الرملة ، وقدم إلى مصر وسكنها ، وتوفي سنة ست وثلاثمائة ، وكان فقيها جليل القدر ، متصرفا في كل علم ، شاعرا مجيدا ، لم يكن في زمانه مثله بمصر . وكان من أكرم الناس على أبي عبيد القاضي ، حتى كان منهما ما كان بسبب المسألة ، وكان لأبي عبيد في كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلا من أهل العلم ويخلو به ، خلا عشية الجمعة فإنه كان يخلو بنفسه فيها ، فكان من العشايا عشية يخلو فيها بمنصور ، وعشية يخلو فيها بأبي جعفر الطحاوي ، وعشية يخلو فيها بمحمد بن الربيع الجيزي ، وعشية يخلو فيها بعفان بن سليمان ، وعشية يخلو فيها بالسجستاني ، وعشية يخلو فيها للنظر مع الفقهاء ، وربما حدث ، فجرى بينه وبين منصور في بعض العشايا ذكر الحامل المطلقة ثلاثا ، ووجوب نفقتها ، فقال أبو عبيد : زعم قوم أن لا نفقة لها في الثلاث ، وأن نفقتها في الطلاق غير الثلاث ، فأنكر ذلك منصور ، وقال : قائل هذا ليس من أهل القبلة . ثم انصرف منصور فحدث بذلك أبا جعفر الطحاوي ، فحكاه أبو جعفر لأبي عبيد فأنكره ، وبلغ ذلك منصورا فقال : أنا أكذبه ، واجتمع الناس عند القاضي وتواعدوا لحضور ذلك ، فلما حضروا لم يتكلم أحد ، فابتدأ أبو عبيد وقال : ما أريد أحدا يدخل عليّ ، ما أريد منصورا ولا نصارا ولا منتصرا ، قوم عميت قلوبهم كما عميت أبصارهم يحكون عنا ما لم نقله ، فقال له منصور : قد علم اللّه أنك قلت كذا وكذا ، فقال أبو عبيد : كذبت ، فقال له منصور : قد علم اللّه الكاذب ، ونهض فلم يأخذ أحد بيده غير أبي بكر ابن الحداد فإنه أخذ بيده وخرج معه حتى ركب ، وزاد الأمر فيما بينهما ، وتعصب الأمير ذكا وجماعة من الجند وغيرهم لمنصور ، وتعصب للقاضي جماعة ، وشهد على منصور محمد بن الربيع الجيزي بكلام سمعه منه يقال إن منصورا حكاه عن النظام ، فقال القاضي : إن شهد عليه آخر مثل ما شهد به عليه محمد بن الربيع ضربت عنقه ، فخاف