ابن خلكان
286
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فقد اجتهدت في عصر القصب فلم يسمح ببعض ما كان يأتي ، فعلم صدقها ، فرجع عن تلك النية ، ثم قال لها : ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض ، وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه ، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر وهي مستبشرة . فقال السلطان للواعظ : فلم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور : ناولني عنقودا من الحصرم ، فقال له : ما يمكنني ذلك ، فإن السلطان لم يأخذ حقه ولا تجوز لي خيانته ، فعجب الحاضرون من مقابلته الحكاية بمثلها ، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه . وحكى الهمداني أيضا أن سواديا لقيه وهو يبكي ، فسأله السلطان عن سبب بكائه ، فقال « 1 » : ابتعت بطيخا بدريهمات لا أملك غيرها ، فلقيني ثلاثة أغلمة أتراك فأخذوه مني ، ومالي حيلة سواه ، فقال : أمسك ، واستدعى فراشا ، وكان ذلك عند باكورة البطيخ ، وقال له : إن نفسي قد تاقت إلى البطيخ ، فطف في العسكر وانظر من عنده شيء فأحضره ، فعاد ومعه بطيخ ، فقال : عند من رأيته ؟ قال : عند الأمير فلان ، فأحضره وقال : من أين لك هذا البطيخ ؟ فقال : جاء به الغلمان ، فقال : أريدهم الساعة ، فمضى وقد عرف نية السلطان فيهم ، فهربهم وعاد فقال : لم أجدهم ، فالتفت إلى السوادي وقال : هذا مملوكي وقد وهبته لك حين لم يحضر القوم الذين أخذوا متاعك ، واللّه لئن خليته لأضربن عنقك ، فأخذه السوادي بيده ، وأخرجه من بين يدي السلطان فاشترى الأمير نفسه بثلاثمائة دينار ، وعاد السوادي وقال : يا سلطان ، قد بعت المملوك بثلاثمائة دينار ، فقال : أو قد رضيت ؟ قال : نعم ، قال : امض مصاحبا « 2 » . وكانت البركة واليمن مقرونين بناصيته ، فكان إذا يدخل أصبهان أو بغداد أو أي بلد من البلاد كان ، دخل مع عدد لا يحصى لكثرته فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشياء عما كانت عليه قبله ، ويكتسب المتعيشون مع عسكره الكسب الكثير . وحكى الهمداني أيضا أنه أحضرت إليه مغنية وهو بالري ، فأعجب بها
--> ( 1 ) انظر أخبار الدولة السلجوقية : 73 . ( 2 ) ر : مصاحبا بالسلامة .