ابن خلكان

230

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

المستنصر المذكور ، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ، وقال في « تاريخ القيروان » « 1 » : إن ذلك كان في سنة خمس وثلاثين ، واللّه تعالى أعلم بالصواب . وفي سنة تسع قطع اسمه واسم آبائه من الحرمين الشريفين ، وذكر اسم المقتدي خليفة بغداد ، والشرح في ذلك يطول . ومنها أنه حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام ، وأقام سبع سنين ، وأكل الناس بعضهم بعضا ، حتى قيل إنه بيع رغيف واحد بخمسين دينارا ، وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده ، وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب يركبونها ، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع ، وكان المستنصر يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الإنشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته ، وآخر الأمر توجهت أم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع ، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، وتفرق أهل مصر في البلاد وتشتتوا ، ولم يزل هذا الأمر على شدته حتى تحرك بدر الجمالي والد الأفضل أمير الجيوش من عكا وركب البحر - حسبما شرحناه في ترجمة ولده الأفضل شاهنشاه - وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور فانصلحت ، وشرح ذلك يطول . وكانت ولادة المستنصر صبيحة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة « 2 » ، وتوفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، رحمه اللّه تعالى . قلت : وهذه الليلة هي ليلة عيد الغدير ، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة وهو غدير خم - بضم الخاء وتشديد الميم - ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجة ؟ وهذا المكان بين مكة والمدينة ، وفيه غدير ماء ، ويقال إنه غيضة هناك ، ولما رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من

--> ( 1 ) ر : التاريخ القيرواني . ( 2 ) علق ابن المؤلف هنا بقوله : « قلت ، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف اللّه به : قد ذكر أنه ولي الأمر وهو ابن سبع سنين وأنه بويع في سنة أربع وعشرين فكيف يستقيم أن يكون مولده سنة عشرين ، واللّه أعلم » .