ابن خلكان

22

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

204 وامتد لعطاف عمود النسب في الولد إلى الظافر محمد بن إسماعيل القاضي ، فهو أول من نبغ منهم في تلك البلاد وتقدم بإشبيلية إلى أن ولي القضاء بها فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم ، فرمقته القلوب ، وكان يحيى بن علي بن حمّود الحسني المنعوت « 1 » بالمعتلي صاحب قرطبة ، وكان مذموم السيرة ، فتوجه إلى إشبيلية محاصرا لها ، فلما نزل عليها اجتمع رؤساء إشبيلية وأعيانها وأتوا القاضي محمدا المذكور وقالوا له : أما ترى ما حل بنا من هذا الظالم وما أفسد من أموال الناس ؟ فقم بنا نخرج إليه ونملّكك ونجعل الأمر إليك ، ففعل ، ووثبوا على يحيى ، فركب إليهم وهو سكران فقتل . وتم له الأمر ثم ملك بعد ذلك قرطبة وغيرها من البلاد . وقصته مشهورة مع الذي زعم أنه هشام بن الحكم آخر ملوك بني أمية بالأندلس الذي كان المنصور ابن أبي عامر قد استولى عليه وحجبه عن الناس ، وكان يصدر الأمور عن إشارته ، ولا يمكنه من التصرف ، وليس له سوى الاسم والخطبة على المنابر ، فإنه كان قد انقطع خبره مدة نيف وعشرين سنة ، وجرت أحوال مختلفة في هذه المدة ، ثم قيل للقاضي محمد المذكور بعد تملكه واستيلائه على البلاد : إن هشام بن الحكم في مسجد بقلعة رباح ، فأرسل إليه من أحضره ، وفوّض الأمر إليه ، وجعل نفسه كالوزير بين يديه ، وفي هذه الواقعة يقول الحافظ أبو محمد ابن حزم الظاهري في كتاب « نقط العروس » : أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحصري « 2 » بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام ابن الحكم المنعوت بالمؤيد وادعى أنه هشام ، فبويع وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى ، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره ، وأقام المدّعي أنه هشام نيفا وعشرين سنة ، والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه ، والأمر إليه ، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي المدعو هشاما ، فاستبد القاضي محمد بالأمر بعده . وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير الدول ، ولم يزل ملكا مستقلا إلى أن توفي ليلة الأحد لليلة بقيت من جمادى

--> ( 1 ) ن ر ق : المعروف . ( 2 ) ق ر ن : الخضري .