ابن خلكان

18

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أشقّق قلب الشرق حتى كأنني * أفتّش في سودائه عن سنا الفجر وبالجملة فمحاسن شعره كثيرة . وكنت قد رأيته في المنام في بعض شهور سنة تسع وأربعين وستمائة ، وأنا يوم ذاك بالقاهرة المحروسة ، وفي يده ورقة حمراء ، وهي عريضة ، وفيها مقدار خمسة عشر بيتا تقريبا ، وهو يقول : عملت هذه الأبيات في الملك المظفر صاحب حماة ، وكان الملك المظفر في ذلك الوقت ميتا أيضا ، وكان في المجلس جماعة حاضرون ، فقرأ علينا الأبيات ، فأعجبني منها بيت فرددته في النوم ، واستيقظت من المنام وقد علق بخاطري ، وهو : والبيت لا يحسن « 1 » إنشاده * إلا إذا أحسن من شاده وهذا البيت غير موجود في شعره . وقد تقدم ذكره في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي وأبياته الفائية وكذلك في ترجمة سيف الإسلام . وكان وافر الحرمة عند الملوك ، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم ، وانفصل عنها لما ملكها الملك الأشرف وأقام في بيته ، ولم يباشر بعدها خدمة . وكانت ولادته بدمشق يوم الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وتوفي عشية نهار الاثنين لعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة بدمشق أيضا ، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة ، وهي - بكسر الميم وتشديد الزاي - قرية على باب دمشق ، رحمه اللّه تعالى . قال ابن الدبيثي : سمعته يقول : إن أصلنا من الكوفة من موضع يعرف بمسجد بني النجار ، ونحن من الأنصار ؛ قلت : هكذا نقلته أولا ، ثم إني زرت قبر بلال مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمقابر باب الصغير ظاهر دمشق ، فلما خرجت من تربته وجدت على الباب قبرا كبيرا فقيل لي : هذا قبر ابن عنين ، فوقفت وترحمت عليه .

--> ( 1 ) ق : يصلح .