ابن خلكان

163

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا فيه حبلا ، وتوجهوا إلى جهة الجنوب ، ومشوا على الاستقامة ، وعملوا كما عملوا في جهة الشمال : من نصب الأوتاد وشد الحبال ، حتى فرغت الحبال التي استعملوها في جهة الشمال ، ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه الأول درجة ، فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك ، وهذا إذا وقف عليه من له يد في علم الهيئة ظهر له حقيقته . ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلاثمائة وستون درجة ، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجا ، وكل برج ثلاثون درجة ، فتكون الجملة ثلاثمائة وستين درجة ، فضربوا عدد درج الفلك في ستة وستين ميلا وثلثين - أي التي هي حصة كل درجة - فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل ، وهي ثمانية آلاف فرسخ ، وهذا محقق لا شك فيه . فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا ، وكان موافقا لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل ، طلب تحقيق ذلك في موضع آخر ، فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار ، فتوافق الحسابان ، فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك ، وهذا الفصل هو الذي أشرت إليه في ترجمة أبي بكر محمد بن يحيى الصولي وقلت : لولا التطويل لبينت ذلك « 1 » . وكانت لبني موسى المذكورين أوضاع نادرة غريبة ، ولولا الإطالة لذكرت شيئا منها . وتوفي محمد المذكور في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين ، رحمه اللّه تعالى ؛ واللّه أعلم بالصواب .

--> ( 1 ) انظر ج 4 : 359 .