ابن خلكان
159
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فأخذ الرازي مجسّه ، ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ابتداء ذلك به ، فلم يقم له دليل على سلّ ولا قرحة ، ولم يعرف العلة ، واستنظر الرجل لينظر في الأمر ، فقامت على العليل القيامة وقال : هذا أيأس لي من الحياة لحذق الطبيب وجهله بالعلة ، فازداد ما به من الألم ، فولد الفكر للرازي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه ، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج ، فقام في نفس الرازي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء وقد حصلت في معدته وأن ذلك الدم من فعلها وقال له : إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف حتى تبرأ ، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك لما آمرهم ، فقال : نعم ؛ فانصرف الرازي فجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب فأحضرهما في غد معه فأراه إياهما وقال له : ابلع ، فقال : لا أستطيع ، فقال للغلمان : خذوه فأنيموه ، ففعلوا به ذلك ، وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسا شديدا ويسأله ببلعه ويهدده بأن يضرب ، إلى أن أبلعه كارها أحد المركنين بأسره ، والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء ، إلى أن قال العليل : الساعة أقذف ، فزاد الرازي في ما يكبسه في حلقه ، فذرعه القيء فقذف ، فتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة ، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قربت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب ونهض العليل معافى ] « 1 » . ولم يزل رئيس هذا الشان ، وكان اشتغاله به على كبر ، يقال إنه لما شرع فيه كان قد جاوز أربعين سنة من العمر ، وطال عمره فعمي في آخر مدته ، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ، رحمه اللّه تعالى . وكان اشتغاله بالطب على الحكيم أبي الحسن علي بن ربن الطبري صاحب التصانيف المشهورة ، منها « فردوس الحكمة » وغيره . وكان مسيحيا ثم أسلم . وقد تقدم الكلام على الرازي . وأما الملوك السامانية فكانوا سلاطين ما وراء النهر وخراسان ، وكانوا أحسن الملوك سيرة ، ومن ولي منهم كان يقال له سلطان السلاطين ، لا ينعت إلا به ،
--> ( 1 ) زيادة انفردت بها لي ، وقد وردت عند وستنفيلد .