ابن خلكان
115
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المنابر ، فقوي أمره وعظم شأنه وتصرف على حسب اختياره ؛ واحتاط على أملاك ابن مقلة المذكور وضياعه وأملاك ولده أبي الحسين ، فحضر إليه ابن مقلة وإلى كاتبه وتذلل لهما في معنى الإفراج عن أملاكه ، فلم يحصل منهما إلا على المواعيد ، فلما رأى ابن مقلة ذلك أخذ في السعي بابن رائق المذكور من كل جهة ، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه والقبض عليه ، وضمن له أنه متى فعل ذلك وقلده الوزارة استخرج له ثلاثمائة ألف ألف دينار ، وكانت مكاتبته على يد علي بن هارون المنجم النديم - المقدم ذكره « 1 » - فأطمعه الراضي بالإجابة إلى ما سأل ، وترددت الرسائل بينهما في ذلك ، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي اتفقا على أن ينحدر إليه سرا ويقيم عنده إلى أن يتم التدبير ، فركب من داره وقد بقي من شهر رمضان ليلة واحدة ، واختار هذا الطالع لأن القمر يكون تحت الشعاع ، وهو يصلح للأمور المستورة ، فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكّنه من الوصول إليه ، واعتقله في حجرة ، ووجه الراضي من غد إلى ابن رائق ، وأخبره بما جرى ، وأنه احتال على ابن مقلة حتى حصله في أسره وترددت بينهما المكاتبات في ذلك . فلما كان رابع عشر شوال سنة ست وعشرين وثلاثمائة ، أظهر الراضي أمر ابن مقلة وأخرجه من الاعتقال ، وحضر حاجب ابن رائق وجماعة من القواد وتقابلا ، وكان ابن رائق قد التمس قطع يده اليمنى التي كتب بها تلك المطالعة ، فلما انتهى كلامهما في المقابلة قطعت يده اليمنى ورد إلى محبسه ، ثم ندم الراضي على ذلك وأمر الأطباء بملازمته للمداواة ، فلازموه حتى برئ ، وكان ذلك نتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد - وقد تقدم ذكر سبب ذلك في ترجمته - وذلك من عجيب الاتفاق . وقال أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب ، وكان يدخل عليه لمعالجته : كنت إذا دخلت عليه في تلك الحال يسألني عن أحوال ولده أبي الحسين ، فأعرفه استتاره وسلامته ، فتطيب نفسه ، ثم ينوح على يده ويبكي ويقول : خدمت بها الخلفاء وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين ، تقطع كما تقطع
--> ( 1 ) انظر ج 3 : 375 .