ابن خلكان
107
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
هي ؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك ، وإن الذين هجوا كانوا مثلك ، فزاحم بمنكبك أعظمهم سناما وأنورهم شعاعا ، وأشرفهم بقاعا ، فحار ابن العميد وشده ولم يدر ما يقول ، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال : هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة ، وعن الإطالة مني في المعذرة ، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه ، فقال ابن نباتة : أيها الرئيس ، هذه نفثة صدر دوي « 1 » منذ زمان ، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر ، والغني إذا مطل لئيم ، فاستشاط ابن العميد ، وقال : واللّه ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق اللّه تعالى ، ولقد نافرت العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قريّ عائم ولجاج قائم ، ولست ولي نعمتي فأحتملك ، ولا صنيعتي فأغضي عليك ، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرة الحليم ويبدد شمل الصبر ، هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ، ولا سألتك مدحي ولا كلفتك تقريضي ؛ فقال ابن نباتة : صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ، ولا استدعيتني برسول ، ولا سألتني مدحك ، ولا كلفتني تقريضك ، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك وقلت : لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة ، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة ، فاني كاتب ركن الدولة وزعيم الأولياء والحضرة ، والقيم بمصالح المملكة ، فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان المقال ، فثار ابن العميد مغضبا وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته ، وتقوض المجلس وماج الناس ، وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار مارا يقول : واللّه إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا ، فلعن اللّه الأدب إذا كان بائعه مهينا له ، ومشتريه مماكسا فيه . فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه ، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها ، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات . ثم إني وجدت هذه القصيدة وصورة هذا المجلس منسوبين إلى غير ابن نباتة ، وكشفت ديوان ابن نباتة فلم أر هذه القصيدة فيه ، واللّه أعلم بالصواب ، ثم
--> ( 1 ) ق ر والمختار : ذوى .