ابن خلكان

72

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وسبعين ، فلما ولي عبد الملك منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير : كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا ، فضج الناس لما منعوا الحج ، فبنى عبد الملك في بيت المقدس الصخرة ، فكان الناس يحضرونها يوم عرفة ويقفون عندها ، ويقال إن ذلك سبب التعريف من مسجد بيت المقدس ومساجد الأمصار . وذكر الجاحظ في كتاب « نظم القرآن » أن أول من سنّ التعريف في مساجد الأمصار عبد اللّه بن عباس ؛ وذكر أبو عمر الكندي « 1 » ان عبد العزيز بن مروان أول من سنّ التعريف بمصر في الجامع بعد العصر . ثم بعد ذلك بعث عبد الملك الحجاج إلى عبد اللّه بن الزبير ، وسبب ذلك أن عبد الملك لما قتل مصعبا وابنه عيسى وأراد الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج فقال : يا أمير المؤمنين اني رأيت في منامي أني أخذت عبد اللّه بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولّني عليه ، فبعثه في جيش من أهل الشام كثيف ، فنزل الطائف ، وكان يبعث البعوث فيقاتلون ابن الزبير ، ففي ذلك كله ترجع خيل الحجاز بالظفر ، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم عليه وحصاره ، وأخبره أن شوكته قد كلّت ، فأذن له في ذلك ، فلما دخل ذو القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير . وأمدّ عبد الملك الحجاج لهلال ذي الحجة ، ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه ، وكان يلبس السلاح ولا يمسّ النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير . ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه في هذه السنة لأنهم لم يقفوا بعرفة ، وحج الحجاج في هذه السنة ثم حصر ابن الزبير ثمانية اشهر ، فتفرق عامة من كان معه وخرجوا إلى الحجاج في الأمان حتى بلغ عدة المستأمنة عشرة آلاف ، وكان في جملتهم ابنا عبد اللّه بن الزبير ، أخذا أمانا لنفسيهما . فلما رأى عبد الله بن الزبير ما رأى من ولده وأصحابه دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما فقال : يا أمه ، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع إلا صبر ساعة ،

--> ( 1 ) انظر ص : 50 من كتاب الكندي .