ابن خلكان

412

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار « 1 » ، وهو أعلى ذروة في جبال [ اليمن ] « 2 » ، وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة ، وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره في منعة وعدد كثير ، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء ، بل كان قلّة منيعة عالية ، فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له : إن نزلت وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع ، فقال لهم : لم أفعل هذا إلا خوفا علينا وعليكم أن يملكه غيرنا ، فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم ، فانصرفوا عنه ؛ ولم تمض عليه أشهر حتى بناه وحصّنه وأتقنه . واستفحل أمر الصليحي شيئا فشيئا ، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر في الخفية ، ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين لأمره ، وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله ، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه ، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء . وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة « 3 » ، فأذن له ، فطوى البلاد طيّا وفتح الحصون والتهائم ، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره ، وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام ، حتى قال يوما وهو يخطب الناس في جامع الجند : وفي مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن ، ولم يكن ملكها بعد ، فقال بعض من حضر مستهزئا : سبّوح قدّوس ، فأمر بالحوطة عليه ، وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن ، فقام ذلك الإنسان وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب . ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء ، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم ، وأسكنهم معه وولّى في الحصون غيرهم ، واختط بمدينة صنعاء

--> ( 1 ) س : مسمار ؛ ر : ساد ؛ وفي ياقوت : « مشار » وقال : قلة في أعلى موضع من جبال حراز منه كان مخرج الصليحي ؛ وكتب في متن « صفة جزيرة العرب » بالشين حيثما ورد ثم جاء في فهرس الكتاب بالسين مصوّبا . ( 2 ) المسودة : في جبال ؛ لي ن : الجبال . ( 3 ) ر : الدولة .