ابن خلكان

374

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

يزل مكينا عندهم حظيّا لديهم يجلس بين يدي أسرتهم ويفضون إليه بأسرارهم ويأمنونه على أخبارهم ، ولم يزل عندهم في المنزلة العلية . وكان قبل اتصاله بالخلفاء يلوذ بمحمد بن إسحاق بن إبراهيم المصعبي ، ثم اتصل بالفتح بن خاقان وعمل له خزانة كتب أكثرها حكمة ، واستكتب له شيئا عظيما يزيد على ما كان في خزانته أضعافا مضاعفة مما لم تشتمل عليه خزانته . وكان راوية للأشعار والأخبار حاذقا في صنعة الغناء ، أخذ عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وشاهده ، وصنف عدة كتب منها كتاب « الشعراء القدماء والإسلاميين » وكتاب « أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي » وكتاب في الطبيخ ، وغير ذلك . وكان شاعرا محسنا ، فمن شعره قوله في الطيف : بأبي واللّه من طرقا * كابتسام البرق إذ خفقا زادني شوقا برؤيته * وحشا قلبي به حرقا من لقلب هائم كلف * كلما سكنته خفقا زارني طيف الحبيب فما * زاد أن أغرى بي الأرقا وله أشعار حسان ، وعاش إلى أن خدم المعتمد على اللّه وتوفي في أواخر أيامه ، وذلك في سنة خمس وسبعين ومائتين بسر من رأى ، رحمه اللّه تعالى ، وخلف جماعة من الأولاد ، وكلهم نجباء علماء ندماء - وسيأتي ذكر بعضهم في مواضعهم من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى .