ابن خلكان

328

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه ، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده حتى انتهى إلى بادية لبلة فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وقيل إنه توفي في منت ليشم ، وهي قرية ابن حزم المذكور ، رحمه اللّه تعالى . وفيه قال أبو العباس ابن العريف - المقدم ذكره « 1 » - : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين ، وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة . 118 وكانت وفاة والده أبي عمر أحمد « 2 » في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة ، وكان وزير الدولة العامرية ، وهو من أهل العلم والأدب والخير والبلاغة ، وقال ولده أبو محمد المذكور : أنشدني والدي الوزير في بعض وصاياه لي رحمه اللّه تعالى : إذا شئت أن تحيا غنيّا فلا تكن * على حالة إلا رضيت بدونها وذكر الحميدي في كتاب « جذوة المقتبس » « 3 » أن الوزير المذكور كان جالسا بين يدي مخدومه المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه العامة « 4 » ، فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان المنصور اعتقله حنقا عليه لجرم استعظمه منه ، فلما قرأها اشتد غضبه ، وقال : ذكرتني واللّه به ، وأخذ القلم وأراد أن يكتب : يصلب ، فكتب : يطلق ، ورمى الورقة إلى وزيره المذكور ، وأخذ الوزير القلم وتناول الورقة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة ، فقال له المنصور : ما هذا الذي تكتب ؟ قال : بإطلاق فلان ، فحرد ، وقال : من أمر بهذا ؟ فناوله التوقيع ، فلما رآه قال : وهمت ، واللّه ليصلبن ، ثم خط على التوقيع ، وأراد أن يكتب « يصلب » فكتب « يطلق » ، فأخذ الوزير الورقة ، وأراد أن يكتب إلى الوالي بالإطلاق ، فنظر إليه المنصور وغضب

--> ( 1 ) راجع الترجمة رقم : 68 . ( 2 ) ترجمة أبي عمر والد ابن حزم في الجذوة : 117 وبغية الملتمس ( رقم : 411 ) واعتاب الكتاب : 191 . ( 3 ) الجذوة : 118 . ( 4 ) الجذوة : للعامة .