ابن خلكان
257
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ربع القرآن كلّ يوم نظرا في المصحف ويقوم به الليل ، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ، ثم عاد من الليلة المقبلة . وقال ابن قتيبة وغيره : لما دعي الجزار ليقطعها قال له : نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما ، فقال : لا أستعين بحرام اللّه على ما أرجو من عافية ، قالوا : فنسقيك المرقد ، قال : ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه ، قال : ودخل عليه قوم أنكرهم ، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر ، قال : أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي ، فقطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلّل ويكبر ، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به ، فغشي عليه ، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه ، ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده ثم قال : أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام ، أو قال معصية ، ولما دخل ابنه إصطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء ، حتى قدم المدينة فقال : اللهمّ ، إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة ، فلك الحمد ، وأيم اللّه لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لطالما عافيت ] « 1 » . ولما قتل أخوه عبد اللّه قدم عروة على عبد الملك بن مروان فقال له يوما : أريد أن تعطيني سيف أخي عبد اللّه ، فقال له : هو بين السيوف ولا أميزه من بينها ، فقال عروة : إذا حضرت السيوف ميزته أنا ، فأمر عبد الملك بإحضارها ، فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلّل الحد فقال : هذا سيف أخي ، فقال عبد الملك : كنت تعرفه قبل الآن ؟ فقال : لا ، فقال : كيف عرفته ؟ قال : بقول النابغة الذبياني : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب وعروة هذا هو الذي احتفر بئر عروة التي بالمدينة وهي منسوبة إليه وليس بالمدينة بئر أعذب من مائها .
--> ( 1 ) ما بين معقفين لم يرد في المخطوطات .