ابن خلكان
252
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
[ نقلت من خط القاضي الفاضل فصلا يتعلق بالملك العزيز بن صلاح الدين ، رحمه اللّه تعالى ، ما مثاله : لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه ، وأدركه في ليلته فواق وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياس منه ، ثم لما كان وقت الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه ، وكلّم من حوله وحضر إليه الأمراء والخواص ، ثم قال بعد ذلك : إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد ، فبدت قوته تخور ، والفواق يشتد وبغته الأمر وعظمت الحمّى وصغر النبض وكثر عليه الغشي ، وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد ، ولما كان في آخر الليل خرج فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراسنقر وجماعة من المماليك واستدعوا الأمراء فأحضرت وأعلمت بوفاته ، وقال المذكورون : إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب في السلطنة والقائم بالأمر ، وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش ، وقالوا : قد كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش ، ونريد أن يجتمع الأمراء ، ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي ، ومعنى الرسالة أن هذا ولدي سلطانكم من بعدي ، فاحلفوا له واحفظوني فيه ، فقلت لهم : فإن طالبكم الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم ؟ فرجعوا إلى أن يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصّى بهذه الوصية ، وأنه قد قضى ، ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبيّ وأبيه ، فقلت لهم : لا تنتظروا اجتماع الأمراء ، فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة ، بل كل من حضر من الأمراء تقولون له : قد اتفقنا فكن معنا ، وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا ، وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه ، فجرى الأمر على هذا ، فلما تكامل الحلف أو أكثره أحضروا الولد ، فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه ، ووقفوا بين يديه ، جميع ذلك قبل أن يسفر صباح الأحد ، ثم صليت فريضة الفجر ، وشرعوا في تجهيز الملك العزيز إلى قبره ، وغسل في مكان موته ، واجتمع الناس فيما بين الظهر والعصر للصلاة عليه ، وكثر الزحام ، وقامت الواعية ، فلم يخلص