ابن خلكان
238
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
من السماء ، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار ، فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم ، فغطته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ لها ، فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفا على ولدها ، فسكتها أبوه فقالت : أخاف عليه ، فقال : لا بأس عليه ، بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك ، ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النحل ، فطار عنه بأجمعه ، فاستيقظ الصبي وما به من ألم ، فتفقدت أمه جسده فلم تر به أثرا ، ولم يشك إليها ألما ، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزّجر ، فمضى أبوه إليه فأخبره ما رآه من النحل مع ولده ، فقال الزاجر : يوشك أن يكون له شأن ، يجتمع على طاعته أهل المغرب ، فكان من أمره ما اشتهر . ورأيت في بعض تواريخ المغرب « 1 » أن ابن تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له « الجفر » وفيه ما يكون على يده وقصة عبد المؤمن وحليته واسمه ، وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام ، وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه ، وأفضى إليه بسره « 2 » وانتهى به إلى مراكش وصاحبها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ملك الملثّمين ، وجرى له معه فصول يطول شرحها ، وأخرجه منها فتوجه إلى الجبال وحشد واستمال المصامدة ، وبالجملة فإنه لم يملك شيئا من البلاد ، بل عبد المؤمن ملك بعد وفاته بالجيوش التي جهزها ابن تومرت والترتيب الذي رتبه ، وكان أبدا يتفرس فيه النجابة وينشد إذا أبصره : تكاملت فيك أوصاف خصصت بها * فكلنا بك مسرور ومغتبط السنّ ضاحكة والكفّ مانحة * والنفس واسعة والوجه منبسط وهذان البيتان وجدتهما منسوبين إلى أبي الشّيص الخزاعي الشاعر المشهور « 3 » ،
--> ( 1 ) لي : تواريخ أهل المغرب . ( 2 ) ر : أمره . ( 3 ) وهذان . . . المشهور : سقط من س ل لي م ، وهو في المسودة .