ابن خلكان
230
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ورأيت بخطي في مسوداتي أنه لما قتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد بالجزيرة ، فغمز عليه ، فأخذ ودفعه أبو العباس ، وأظنه السفاح ، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته ، فكان يحمّي له طستا بالنار ويضعه على رأسه حتى مات . وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة ، وشيخه في الكتابة سالم مولى هشام بن عبد الملك . [ وروى محمد بن العباس اليزيدي بإسناد ذكره قال : أتي أبو جعفر المنصور أخو السفاح - وهو ثاني خلفاء بني العباس بعد قتل مروان بن محمد الجعدي - بعبد الحميد الكاتب والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي ، فهمّ المنصور بقتلهم جميعا لكونهم من أصحاب مروان ، فقال سلام : استبقني يا أمير المؤمنين فإني أحسن الناس حداء ، فقال : وما بلغ من حدائك ؟ فقال : تعمد إلى إبل فتظمئها ثلاثا ثم توردها الماء ، فإذا وردت رفعت صوتي بالحداء فترفع رؤوسها وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت ، قال « 1 » : فأمر المنصور بإبل فأظمئت ثلاثة أيام ، ثم أوردت الماء ، فلما بدأت بالشرب رفع سلام صوته بالحداء فامتنعت من الشرب ثم لم تشرب حتى سكت ، فاستبقى سلاما وأجازه وأجرى عليه رزقه . وقال له البعلبكي [ المؤذن ] : استبقني يا أمير المؤمنين ، قال : وما عندك ؟ قال : أنا مؤذن ، قال : وما بلغ من أذانك ؟ قال : تأمر جارية تقدم إليك طستا وتأخذ بيدها إبريقا وتصب عليك ، وأبتدىء الأذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني حتى تلقي الإبريق من يدها وهي لا تعلم ؛ فأمر جارية فأعدت إبريقا فيه ماء وقدمت إليه طستا وجعلت تصب عليه ، ورفع البعلبكي صوته بالأذان فبقيت الجارية شاخصة وألقت الإبريق من يدها ، فاستبقاه وأجازه وأجرى عليه الرزق وصيّر أمر الجامع إليه . وقال له عبد الحميد الكاتب : استبقني يا أمير المؤمنين ، قال : وما عندك ؟ قال : أنا أبلغ أهل زماني في الكتابة ، فقال له المنصور : أنت الذي فعلت بنا الأفاعيل وعملت بنا الدواهي . فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه ، واللّه
--> ( 1 ) هنا تبدأ نسخة لا له لي وقد جعلنا رمزها : لي .