ابن خلكان
206
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
في صباه ، وكانت له قرية مثقلة الخراج بنواحي أستوا فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفا من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي قريته من الخراج ، فحضر نيسابور على هذا العزم ، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق ، وكان إمام وقته ، فلما سمع كلامه أعجبه ووقع في قلبه ، فرجع عن ذلك العزم ، وسلك طريق الإرادة ، فقبله الدقاق ، وأقبل عليه ، وتفرّس فيه النجابة فجذبه بهمته ، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم ، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطّوسي ، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه ، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر ابن فورك ، فقرأ عليه حتى أتقن علم الأصول ، ثم تردد إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني ، وقعد يسمع درسه أياما ، فقال الأستاذ : هذا العلم لا يحصّل بالسماع ، ولا بد من الضبط بالكتابة ، فأعاد عليه جميع ما سمعه منه تلك الأيام ، فعجب منه وعرف محله فأكرمه ، وقال له : ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي ، فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك ، ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني ، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق ، وزوّجه ابنته مع كثرة أقاربها . وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف ، فصنّف التفسير الكبير قبل سنة عشر وأربعمائة ، وسماه « التيسير في علم التفسير » وهو من أجود التفاسير ، وصنف « الرسالة » في رجال الطريقة ، وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجماعة من المشاهير ، فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز . وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء ، وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها ، وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في كتاب « دمية القصر » وبالغ في الثناء عليه ، وقال في حقه : لو قرع الصّخر بصوت تحذيره لذاب ، ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب . وذكره الخطيب في تاريخه وقال : قدم علينا - يعني إلى بغداد - في سنة