ابن خلكان
181
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وهب وأشهب ، ثم انتهت الرياسة في العلم بالمغرب إليه ، وكان يقول : قبح اللّه الفقر ، أدركنا مالكا وقرأنا على ابن القاسم . كان أصله من الشام من مدينة حمص ، قدم به أبوه مع جند أهل حمص وولي القضاء بالقيروان ، وعلى قوله المعوّل بالمغرب . وصنف كتاب « المدونة » في مذهب الإمام مالك ، رضي اللّه عنه ، وأخذها عن ابن القاسم ، وكان أول من شرع في تصنيف « المدونة » أسد بن الفرات الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق ، وأصلها أسئلة سأل عنها ابن القاسم فأجابه عنها ، وجاء بها أسد إلى القيروان وكتبها عنه سحنون ، وكانت تسمى « الأسدية » ، ثم رحل بها سحنون إلى ابن القاسم في سنة ثمان وثمانين ومائة ، فعرضها عليه ، وأصلح فيها مسائل ، ورجع بها إلى القيروان في سنة إحدى وتسعين ومائة ، وهي في التأليف على ما جمعه أسد ابن الفرات أولا غير مرتبة المسائل ، ولا مرسمة التراجم ، فرتب سحنون أكثرها ، وبوّبه على ترتيب التصانيف واحتج لبعض مسائلها بالآثار من روايته من موطأ ابن وهب وغيره ، وبقيت منها بقية لم يتمم فيها سحنون هذا العمل المذكور ، ذكر هذا كله القاضي عياض وغيره . وذكر لي بعض الفقهاء المالكية أن الشيخ جمال الدين أبا عمرو المعروف بابن الحاجب الفقيه المالكي النحوي - الآتي ذكره بعد هذا إن شاء اللّه تعالى ، واسمه عثمان - قال : إن أسد بن الفرات الفقيه المالكي جاء من الغرب إلى مصر ، وقرأ على ابن القاسم وأخذ عنه « المدونة » ، وكانت مسودة ، وعاد بها إلى بلاده ، فحضر إليه سحنون وطلبها منه لينقلها فبخل عليه بها فرحل سحنون إلى ابن القاسم ، وأخذ عنه « المدوّنة » وقد حررها ابن القاسم ، فدخل بها إلى الغرب وعلى يده كتاب ابن القاسم إلى أسد بن الفرات يقول فيه : تقابل نسختك بنسخة سحنون ، فالذي تتفق عليه النسختان يثبت ، والذي يقع فيه الاختلاف فالرجوع إلى نسخة سحنون ، وتمحى نسخة ابن الفرات ، فهذه هي الصحيحة ، فلما وقف ابن الفرات على كتاب ابن القاسم عزم على العمل به ، فقال له أصحابه : إن عملت هذا صار كتاب سحنون هو الأصل وبطل كتابك ، وتكون أنت قد أخذته عن سحنون ، فلم يعمل بكتاب ابن القاسم ، فلما بلغ