ابن خلكان
114
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( إبراهيم : 32 - 34 ) بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، مقياس يمن وسعادة ونعمة وسلامة . أمر ببنائه عبد اللّه جعفر الإمام المتوكل على اللّه أمير المؤمنين ، أطال اللّه بقاءه وأدام عزه وتأييده ، على يدي أحمد بن محمد الحاسب ، سنة سبع وأربعين ومائتين . وجعلت ما فوق ذلك من الحيطان التي بأعلى البناء منقوشا كله ، محفورا مصبوغا باللازورد المشمع ، وعمدت إلى ما جاوز من العمود تسع عشرة ذراعا ، والرأس المنصوب عليه ، والعارضة اللبخ الممسكة له ، فنقشت ذلك كله بالذهب واللازورد ، وكتبت على العارضة آية الكرسي إلى آخرها ، وكتبت على حائط الزقاق المقابل للنيل ، فوق باب مدخل المقياس حيث يقرؤه السابلة سطرا إلى الرخام من أوله إلى آخره ، وهو : « بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد سيد المرسلين ، أمر عبد اللّه جعفر الإمام المتوكل على اللّه أمير المؤمنين ببناء هذا المقياس الهاشمي ، لتعرف به زيادة النيل ونقصانه ، وأطال اللّه بقاء أمير المؤمنين ، وأدام له العز والتمكين والظفر على الأعداء ، وتتابع الإحسان والنعماء ، وزاده في الخير رغبة ، وبالرعية رأفة ؛ وكتبه أحمد ابن محمد الحاسب في رجب سنة سبع وأربعين ومائتين » . وكتبت سطرين في رخام عن جنبتي الباب : أحدهما « بسم الله ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، وقل جاء الحقّ وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا » ، والآخر « بسم الله ، بلغ الماء في السنة التي بني فيها هذا المقياس المتوكلي المبارك سبع عشرة ذراعا وثمانية عشر إصبعا » . واتخذت مثال سبع من رخام ركبته في وجه حائط فويقة القناة المطل على النيل ، على المقدار الذي إذا بلغ الماء ست عشرة ذراعا دخل الماء في فيه ، وكتبت فوق ذلك في أعلى الحائط : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ، أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( السجدة : 27 ) كتبه أحمد بن محمد الحاسب في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما .