ابن خلكان

11

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وفيه يقول أيضا : سمعت الناس ينتجعون غيثا * فقلت لصيدح انتجعي بلالا وصيدح : اسم ناقته ، وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها حاء مهملة . وكان بلال أحد نواب خالد بن عبد اللّه القسري - المقدم ذكره في حرف الخاء - فلما عزل وولي موضعه يوسف بن عمر الثقفي على العراقين حاسب خالدا ونوابه وعذبهم ، فمات خالد من عذابه ومات بلال من عذابه أيضا « 1 » . ورأيت في بعض المجاميع أن أبا بردة جلس يوما يفتخر بأبيه ويذكر فضائله وصحبته « 2 » لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان في مجلس عام وفيه الفرزدق الشاعر ، فلما أطال القول في ذلك أراد الفرزدق أن يغض منه فقال : لو لم تكن لأبي موسى منقبة إلا أنه حجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكفاه ، فامتعض أبو بردة من ذلك ثم قال : صدقت ، لكنه ما حجم أحدا قبله ولا بعده ، فقال الفرزدق : كان أبو موسى واللّه أفضل من أن يجرّب الحجامة في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسكت أبو بردة على غيظ . وحكى غرس النعمة بن الصابىء في بعض تصانيفه أن أبا صفوان خالد ابن صفوان التميمي المشهور بالبلاغة كان يدخل على بلال بن أبي بردة المذكور « 3 » فيحدثه فيلحن في كلامه ، فلما كثر ذلك على بلال قال له : يا خالد ، تحدثني أحاديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات ، يعني النساء اللواتي يسقين الماء للناس ، فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب ، وكفّ بصره ، فكان إذا مرّ به موكب بلال يقول : من هذا ؟ فيقال : الأمير ، فيقول خالد : سحابة صيف عن قليل تقشّع ، فقيل ذلك لبلال فقال : لا تقشّع واللّه حتى يصيبك منها

--> ( 1 ) م : فمات خالد وبلال من عذابه ، وانظر ترجمة خالد 2 : 226 . ( 2 ) ر : فضله في صحبته . ( 3 ) وحكى . . . المذكور : سقط من س ، وهو ثابت في هامش المسودة .