ابن خلكان
99
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ابن عبد اللّه الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان وغير ذلك ، فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة ، وكان الناس يزدحمون « 1 » لكثرة أشغالهم حينئذ ، ثم نهض وخرج ، فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات : يا أيها المولى الذي بوجوده * أبدت محاسنها لنا الأيام إني حججت إلى مقامك حجّة ال * أشواق لا ما يوجب الإسلام وأنخت بالحرم الشريف مطيّتي * فتسرّبت واستاقها الأقوام فظللت أنشد عند نشداني لها * بيتا لمن هو في القريض إمام « وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا * فظهورهنّ على الرجال حرام » فوقفت عليها وقلت لغلامه : ما الخبر ؟ فذكر أنه لما قام من عندي وجد مداسه قد سرق ، فاستحسنت منه هذا التضمين . والعرب يشبهون النعل بالراحلة ، وقد جاء هذا في شعر المتقدمين والمتأخرين ، واستعمله المتنبي في مواضع من شعره . ثم جاءني من بعد جمال الدين المذكور ، وجرى ذكر هذه الأبيات ، فقلت له : ولكن أنا اسمي أحمد ، لا محمد ، فقال : علمت ذلك ، ولكن أحمد ومحمد سواء ، وهذا التضمين حسن ولو كان الاسم أي شيء كان . وكان محمد الأمين المقدّم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه ، فتهدّده بالقتل وحبسه ، فكتب إليه من السجن « 2 » : بك أستجير من الردى * متعوّذا من سطو باسك وحياة رأسك لا أعو * د لمثلها ، وحياة رأسك من ذا يكون أبا نوا * سك إن قتلت أبا نواسك « 3 »
--> ( 1 ) ه : مزدحمين . ( 2 ) ديوانه : 107 . ( 3 ) قوله : ومن شعره الفائق حتى هذا الموضع لم يرد في المسودة . وعند موضعه علامة تحويل .