ابن خلكان
70
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
الحكمة والفصاحة من بركة ذلك . قال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي ، فقيل له : فأيهما كان أفصح ؟ قال : الحسن . ونشأ الحسن بوادي القرى ، وكان من أجمل أهل البصرة ، حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث . وحكى الأصمعي عن أبيه قال : ما رأيت أعرض زندا من الحسن ، كان عرضه شبرا . [ وكان الحسن يقص في الحج ، فمر به علي بن الحسين عليهما السلام ، فقال له : يا شيخ أترضى نفسك للموت ؟ قال : لا ، قال : فلله في أرضه معاد غير هذا البيت ؟ قال : لا ، قال : فثم دار للعمل غير هذه الدار ؟ قال : لا ، قال : فعملك للحساب ؟ قال : لا ، قال : فلم تشغل الناس عن طواف البيت ؟ قال : فما قصّ الحسن بعدها . وقيل إن رجلا أتى الحسن فقال : يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق ان الحجاج في النار فما تقول ؟ أقيم مع امرأتي أم أعتزلها ؟ فقال له : قد كان الحجاج فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك ، إن رحمة اللّه وسعت كل شيء ؛ وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فردّ عليه شبيها بما قاله الحسن ؛ وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له : أقم مع زوجتك فإن اللّه تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا ، ذكر ذلك المختار في تاريخه . وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهمّ الرجل بالرجوع فقال له الحسن : يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك . وقيل له : ألا ترى كثرة الوباء ؟ فقال : انفق ممسك واقلع مذنب ، واتعظ جاحد . ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال : ما لكم تزدحمون ؟ ها تلك هي ساريته في المسجد ، اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله ؛ وحدث الحسن بحديث فقال له رجل : يا أبا سعيد عن من ؟ فقال : وما تصنع بعمن ؟ أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته ؛ وقال له رجل : أنا أزهد منك