ابن خلكان
528
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته وزادت حرمته وتزوّج العاضد ابنته ، فاغترّ بطول السلامة ، وكان العاضد تحت قبضته وفي أسره ، فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله ، فاتفق مع قوم من أجناد الدولة يقال لهم أولاد الرّاعي وتقرر ذلك بينهم ، وعيّن لهم موضعا في القصر يجلسون فيه مستخفين ، فإذا مرّ بهم الصالح ليلا أو نهارا قتلوه ، فقعدوا له ليلة وخرج من القصر ، فقاموا ليخرجوا إليه ، فأراد أحدهم أن يفتح غلق الباب فأغلقه وما علم ، فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده اللّه تعالى في تأخير الأجل ، ثم جلسوا له يوما آخر ، فدخل القصر نهارا فوثبوا عليه وجرحوه جراحات عديدة بعضها في رأسه ، ووقع الصوت ، فعاد أصحابه إليه فقتلوا الذين جرحوه وحمل إلى داره مجروحا ودمه يسيل ، وأقام بعض يوم . ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة ، رحمه اللّه تعالى ، وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وأربعمائة . وخرجت الخلع لولده العادل محيي الدين رزّيك - المقدّم ذكره في ترجمة شاور - يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاة أبيه ، وكنيته أبو شجاع ، ولما تولى الوزارة لقبوه العادل الناصر . ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة ، أولها « 1 » : أفي أهل ذا النّادي عليم أسائله * فإني لما بي ذاهب اللّبّ ذاهله سمعت حديثا أحسد الصّمّ عنده * ويذهل واعيه ويخرس قائله فهل من جواب يستغيث به المنى * ويعلو على حقّ المصيبة باطله وقد رابني من شاهد الحال أنّني * أرى الدّست منصوبا وما فيه كافله فهل غاب عنه واستناب سليله * أم اختار هجرا لا يرجّى تواصله فإني أرى فوق الوجوه كآبة * تدلّ على أنّ الوجوه ثواكله ومنها : دعوني فما هذا أوان بكائه * سيأتيكم طلّ البكاء ووابله
--> ( 1 ) النكت العصرية : 50 ، وهي في ديوانه في 76 بيتا .