ابن خلكان
449
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
العزم ، واستنابه المستنصر صاحب مصر بمدينة صور ، وقيل عكا ، فلما ضعف حال المستنصر واختلت دولته - كما سيأتي في ترجمته في حرف الميم إن شاء اللّه تعالى - وصف له بدر الجمالي المذكور ، فاستدعاه وركب البحر في الشتاء « 1 » في وقت لم تجر العادة بركوبه في مثله ، ووصل إلى القاهرة عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى ، وقيل الآخرة ، سنة ست وستين وأربعمائة ، فولاه المستنصر تدبير أموره ، وقامت بوصوله الحرمة وأصلح الدولة ؛ وكان وزير السيف والقلم ، وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة ، وساس الأمور أحسن سياسة ، ويقال : إن وصوله كان أول سعادة المستنصر وآخر قطوعه « 2 » ، وكان يلقب « أمير الجيوش » ؛ ولما دخل على المستنصر قرأ قارىء بين يدي المستنصر وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ( آل عمران : 123 ) ولم يتم الآية « 3 » ، فقال المستنصر : لو أتمها ضربت عنقه ، وجاوز ثمانين سنة ، ولم يزل كذلك إلى أن توفي في ذي القعدة ، وقيل في ذي الحجة ، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، رحمه اللّه تعالى . [ قال علقمة العليمي : قصدت بدرا الجمالي بمصر فرأيت الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه ؛ قال : فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد ، فخرج علقمة في إثره ، فلما رجع وقف على نشز من الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول : نحن التجار وهذه أعلاقنا * درر ، وجود يمينك المبتاع قلّب وفتّشها بسمعك إنما * هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما * قلّ النّفاق تعطّل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها * ومطيّها الآمال والأطماع فوهبت ما لم يعطه في دهره * هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلا * فالناس بعدك كلهم أتباع
--> ( 1 ) أج : فركب في الشتاء البحر . ( 2 ) أج : خموله ؛ والقطوع : الإدبار والنحس . ( 3 ) تمام الآية : وأنتم أذلة .