ابن خلكان

424

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

هو ما تسمع ؛ قال سليمان للزهري : هل تعرفه ؟ قال : يا أمير المؤمنين إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته ، قال أبو حازم : أجل واللّه لو أحببت اللّه لعرفتني ولكن لم تحب اللّه فنسيتني ، فقال الزهري : يا أبا حازم تشتمني ! قال : لا ، ولكنك شتمت نفسك ، أما علمت أن للجار حقا كالقرابة ؟ جاء سليمان يوما إلى طاوس فلم ينظر إليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : أردت أن يعلم أن للّه رجالا يزهدون فيما لديه . وشاور سليمان عمر بن عبد العزيز في أمر ، فقال سليمان : هل علينا عين ؟ فقال عمر : نعم عين بصيرة لا تحتاج إلى تحديق ، وسمع نافذ لا يحتاج إلى إصغاء . حضر أعرابي إلى مائدة سليمان فجعل يمد يده فقال له الحاجب : كل ما بين يديك ، فقال الأعرابي : من أجدب انتجع ، فشقّ ذلك على سليمان وقال له : لا تعد إلينا ؛ ودخل آخر فمد يده فقال له الحاجب : كل مما يليك ، فقال : من أخصب تخير ، فأعجب ذلك سليمان وقضى حوائجه . وحكى عتيق بن عامر بن عبد اللّه بن الزبير قال : كنت نديما لسليمان بن عبد الملك ، وإني لعنده ذات يوم إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين إن بالباب أعرابيا وله دين ، فلو أذنت له فسمعت كلامه ، قال : نعم ، يا غلام ، إيذن للأعرابي ، فلما دخل عليه قال : يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله فإن وراءه ما يحب إن قلته ، فقال له : يا أعرابي إنا لنجود بالاحتمال على من لا نأمن غيبه ولا نرجو نصحه وأنت المأمون غيبا والناصح جيبا فهات ، فقال الأعرابي : أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني مطلق لساني بما خرست به الألسن بإذنه ، لحق اللّه عز وجل وحق أمانتك يا أمير المؤمنين ، إنه تكنفك قوم أساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياك بآخرتهم ورضاك بسخط اللّه ، خافوك في اللّه ولم يخافوا اللّه فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك اللّه عليه فإنهم لم يألوا الأمانة والأمة خسفا وعسفا وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت ، فلا تفسد آخرتك بدنيا غيرك ، فإن المغبون كل المغبون من أفسد آخرته بدنيا غيره ، فقال له سليمان : أما أنت فقد سللت علينا لسانك وهو أقطع من سيفك ، قال : نعم يا أمير المؤمنين وهو لك لا لغيرك ، فقيل