ابن خلكان

42

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وبعده عن الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار والموالي المنتسبة الأخيار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ويقودهم العسف ويحكم فيهم بغير السنّة ويطؤهم بطغام من أهل الشام ورعاع لا رويّة لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل ، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين اللّه ينجيك وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخلصك إذا جاثاك للخصومة في أمته ؟ أما واللّه لا تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك النجاة فأبق على نفسك أو دع ، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فاستوى عبد الملك جالسا وكان متكئا فقال : كذبت لعمر اللّه ومنت ولؤمت فيما جئت به ، قد ظن بك الحجاج ما لم يجده فيك وربما ظن الخير لغير أهله ، قم فأنت الكاذب المائن الحاسد ، قال : فقمت واللّه ما أبصر طريقا ؛ فلما خلفت الستر لحقني لاحق من قبله فقال للحاجب : احبس هذا الرجل وأدخل أبا محمد الحجاج ، فلبثت مليّا وأنا لا أشك أنهما في أمري ، ثم خرج الآذن فقال : قم يا ابن طلحة فادخل ، فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وأنا داخل وهو خارج ، فاعتنقني وقبّل ما بين عينيّ ثم قال : إذا جزى اللّه المتآخيين بفضل تواصلهما فجزاك اللّه أفضل ما جزى به أخا ، فو اللّه لئن سلمت لك لأرفعنّ ناظرك ولأعلين كعبك ولأتبعن الرجال غبار قدميك ، قال : فقلت : يهزأ بي ، فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال : يا ابن طلحة لعلّ أحدا من الناس شاركك في نصيحتك ، قال : قلت : لا واللّه ولا أعلم أحدا كان أظهر عندي معروفا ولا أوضح يدا من الحجاج ، ولو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو ولكني آثرت اللّه عز وجل ورسوله صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، ولو أردت الدنيا لكان لي في الحجاج أمل ، فقال : قد علمت ذلك ، وقد أزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغارا ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرحضها إلا مثله وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادة له ليلزمه من ذمامك ما يؤدي به عني إليك أجر نصيحتك ، فأخرج معه فإنك غير ذامّ صحبته مع تقريظه إياك ويدك عنده ، قال :