ابن خلكان

370

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان يقال : ثلاثة أشياء لا رابع لها : أبو عثمان بنيسابور ، والجنيد ببغداد ، وأبو عبد اللّه ابن الجلاء بالشام . وقال أبو عثمان : منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه تعالى في شيء فكرهته ، ولا نقلني إلى حال فسخطته . وقالت مريم امرأة أبي عثمان : كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة ، فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره . وقالت : صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها ، وقلت : يا أبا عثمان ، أي عملك أرجى عندك ؟ فقال : يا مريم ، لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع جاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان ، قد أحببتك حبّا ذهب بنومي وقراري ، وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي ، فقلت : ألك والد ؟ قالت : نعم ، فلان الخياط في موضع كذا ، فراسلته ، فأجاب ، فتزوجت بها ، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة الخلق ، فقلت : اللهم لك الحمد على ما قدّرته لي ، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك ، فأزيدها برّا وإكراما ، إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها ، فتركت حضور المجلس إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها ، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة ، وكنت معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئا من ذلك ، إلى أن ماتت ، فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي . [ ولما تغير على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه . ففتح أبو عثمان عينه وقال : خلاف السنّة يا بني في الظاهر ، وعلامة رياء في الباطن ] « 1 » . توفي لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين ، رحمه اللّه تعالى . وكان كثيرا ما ينشد في حال وعظه : وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي والطبيب مريض

--> ( 1 ) زيادة من ص .