ابن خلكان
36
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وقد عبأت للعزة الجلاد وللمحنة الصبر ؛ وكتب في أسفل كتابه « 1 » : إذا أنا لم أبغ رضاك وأتقي * أذاك فيومي لا تزول كواكبه وما لامرىء بعد الخليفة جنّة * تقيه من الأمر الذي هو كاسبه أسالم من سالمت من ذي هوادة * ومن لم تسالمه فإني محاربه إذا قارف الحجاج منك خطيئة * فقامت عليه في الصباح نوادبه إذا أنا لم أدن الشفيق لصنعه * وأقص الذي تسري إليّ عقاربه فقف لي على حدّ الرضى لا أجوزه * مدى الدهر حتى يرجع الدّرّ حالبه وإلا فدعني والأمور فإنني * شفيق رقيق أهّلته تجاربه فلما قرأ عبد الملك كتابه قال : خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره ] . [ وذكر حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة فقال لحرسه : ايتني بمحدث من المسجد ، فأتاه بسبرة بن الجعد ، فدخل وسلّم بلسان ذلق وقلب شديد ، فقال له الحجاج : ممن الرجل ؟ قال : من بني شيبان ، قال : ما اسمك ؟ قال : سبرة بن الجعد ، قال : يا سبرة ، قرأت القرآن ؟ قال : قد جمعته في صدري ، فإن عملت به فقد حفظته وإن خالفته فقد ضيعته ، فاتخذه الحجاج سميرا ، فما كان يتطلب شيئا من الحديث إلا وجد عنده منه . وكان يرى رأي الخوارج ، وكان من أصحاب قطري بن الفجاءة المزني التميمي ، والفجاءة أمه ، وكانت من بني شيبان ، وإنما هو رجل من تميم . وكان قطري يومئذ يحارب المهلب ، فبلغ قطريّا ما كان من سبرة مع الحجاج ، فكتب إليه من جملة قصيدة : لشتّان ما بين ابن جعد وبيننا فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه ولحق بقطري ؛ وطلبه الحجاج فلم يقدر عليه ولم يرع الحجاج إلا وكتاب فيه شعر قطري الذي كان كتب به
--> ( 1 ) هذه الأبيات لم ترد إلا في النسخة ر .