ابن خلكان

358

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ قال عبد اللّه بن شاكر ، قال سري : صليت وردي ليلة ، ومددت رجلي في المحراب فنوديت : يا سريّ ، هكذا تجالس الملوك ؟ قال : فضممت رجلي ، ثم قلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا . قال الجنيد : أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت . ويحكى عن الجنيد أنه قال : سألني السريّ يوما عن المحبة ، فقلت : قال قوم : هي الموافقة ، وقال قوم : هي الإيثار ، وقال قوم : كذا وكذا ، فأخذ السريّ جلدة ذراعه ومدّها فلم تمتدّ ، ثم قال : وعزته لو قلت إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت . قال الجنيد : وسمعته يقول : أريد أن آكل أكلة ليس للّه عليّ فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منّة فلم أجد ، فأتاني حي الجرجاني فدق عليّ باب الغرفة فخرجت إليه فقال لي : يا سري ، ملحك مدقوق ؟ فقلت : نعم ، قال : لا تفلح ، ثم قال : لولا أن اللّه عز وجل عقم الآذان عن فهم القرآن ما زرع الزارع ، ولا تجر التاجر ، ولا تلاه الناس في الطرقات ، ثم مضى فأتعبني وأبكاني . وحكى الجنيد أيضا عن سري قال : كنت في طلب صديق ثلاثين سنة ، فلم أظفر به ، فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى وزمنى وعمي وبكم ، فسألتهم عن مقامهم في ذلك الموضع ، فقالوا : في هذا الكهف رجل يمسح بيده عليهم فيبرءون بإذن اللّه تعالى وبركة دعائه ، فوقفت أنتظر معهم ، فخرج شيخ عليه جبة صوف ، فلمسهم ودعا لهم ، فكانوا يبرءون من عللهم بمشيئة اللّه عز وجل ، قال : فأخذت بذيله ، فقال : خلّ عني يا سريّ لا يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه ] « 1 » . [ قال سري : المتصوف اسم لثلاثة معان ، وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم اللّه تعالى ] « 2 » .

--> ( 1 ) ما بين معقفين زيادة من ص ، وهذه القصة الأخيرة نفسها وردت في زيادات د في ترجمة بشر الحافي منسوبة له ؛ انظر الجزء الأول : 275 - 276 . ( 2 ) لم يرد هذا النص في المخطوطات .