ابن خلكان

333

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

على سره الخفي غيره ، ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير ، ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته وجميل سفارته « 1 » . وأنشدني كثيرا من شعره ، فمن ذلك ما كتبه إلى بعض أصحابه وكان قد غرقت به سفينة فسلم بنفسه وذهب ما كان معه « 2 » : لا تعتب الدهر في خطب رماك به * إن استردّ فقدما طالما وهبا حاسب زمانك في حالي تصرّفه * تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا واللّه قد جعل الأيام دائرة * فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا ورأس مالك وهي الروح قد سلمت * لا تأسفنّ لشيء بعدها ذهبا ما كنت أول مفدوح بحادثة * كذا مضى الدهر لا بدعا ولا عجبا وربّ مال نما من بعد مرزئة * أما ترى الشمع بعد القطّ ملتهبا وأنشدني المذكور ، وكتب بها لفخر الدين ابن قاضي داريّا يشكو إليه سوء أدب غلمانه « 3 » : سواك الذي ودّي لديه مضيّع * وغيرك من سعيي إليه محبّب وو اللّه ما آتيك إلا محبّة * وأنّي في أهل الفضيلة أرغب أبثّ لك الذكر الذي طاب نشره * وأطري بما أثني عليك وأطرب فما لي ألقى دون بابك جفوة * لغيرك تعزى ، لا إليك ، وتنسب أردّ بردّ الباب إن جئت زائرا * فيا ليت شعري أين أهل ومرحب ولست بأوقات الزيارة جاهلا * ولا أنا ممّن قربه يتجنّب وقد جعلوا في خادم المرء أنه * بما كان من أخلاقه يتهذب

--> ( 1 ) م : فلما وصلت إليه واجتمعت به بعد قدومه رأيته كامل الأدوات كبير المنزلة عند مخدومه وكان لا يتوسط إلا في الخير ؛ ( هذا نموذج للايجاز الذي تمثله هذه النسخة ) . ( 2 ) ديوانه : 17 . ( 3 ) ديوانه : 26 .