ابن خلكان

323

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان روح بن حاتم المهلبيّ واليا على البصرة ، فخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة ، فخرج من صفّ العدوّ مبارز ، فخرج إليه جماعة فقتلهم ، فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع فألزمه فاستعفاه فلم يعفه ، فأنشد أبو دلامة : إني أعوذ بروح أن يقدّمني * إلى القتال فيخزى بي بنو أسد إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم * ولم أرث أنا حبّ الموت من أحد إن الدّنوّ إلى الأعداء أعلمه * مما يفرّق بين الروح والجسد فأقسم عليه ليخرجنّ « 1 » ، وقال : لماذا تأخذ رزق السلطان ؟ قال : لأقاتل عنه ، قال : فما لك لا تبرز إلى عدو اللّه ؟ فقال : أيها الأمير ، إن خرجت إليه لحقت بمن مضى ، وما الشرط أن أقتل عن السلطان ، بل أقاتل عنه ، فحلف روح : لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك ، فلما رأى أبو دلامة الجدّ منه قال : أيها الأمير ، تعلم أن هذا أوّل يوم من أيام الآخرة ، ولا بد فيه من الزوادة ، فأمر له بذلك ، فأخذ رغيفا مطويّا على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئا من نقل ، وشهر سيفا وحمل ، وكان تحته فرس جواد ، فأقبل يجول ويلعب بالرمح ، وكان مليحا في الميدان ، والفارس يلاحظه ويطلب منه غرّة ، حتى إذا وجدها حمل عليه ، والغبار كالليل ، فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل : لا تعجل واسمع مني - عافاك اللّه - كلمات ألقيهن إليك ، فإنما أتيتك في مهمّ ، فوقف مقابله وقال : ما المهم ؟ قال : أتعرفني ؟ قال : لا ، قال : أنا أبو دلامة ، قال : قد سمعت بك حيّاك اللّه ، فكيف برزت إليّ وطمعت فيّ بعد من قتلت من أصحابك ؟ فقال : ما خرجت لأقتلك ولا لأقاتلك ، ولكني رأيت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقا ، وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا ، قال : قل على بركة اللّه تعالى ، قال : أراك قد تعبت وأنت بغير شك سغبان ظمآن ، قال : كذلك

--> ( 1 ) د : لتخرجن .