ابن خلكان

296

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وقال الربيع : كنا يوما وقوفا على رأس المنصور وقد طرحت لولده المهدي - وهو يومئذ ولي عهده - وسادة إذ أقبل صالح بن المنصور ، وكان قد رشحه أن يوليه بعض أموره ، فقام بين السّماطين ، والناس على قدر أنسابهم ومراتبهم ، فتكلم فأجاد ، فمدّ المنصور يده إليه ، وقال : إليّ يا بني ، واعتنقه ، ونظر إلى وجوه الناس ، هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله ؟ فكلهم كرهوا ذلك بسبب المهدي خيفة منه ، فقام شبة بن عقال التميمي « 1 » ، فقال : للّه در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين ، ما أفصح لسانه ، وأحسن بيانه ، وأمضى جنانه ، وأبلّ ريقه ، وأسهل طريقه ، وكيف لا يكون كذلك ، وأمير المؤمنين أبوه ، والمهدي أخوه ؟ وهو كما قال الشاعر « 2 » : هو الجواد فإن يلحق بشأوهما * على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل * فمثل ما قدّما من صالح سبقا فعجب من حضر بجمعه بين المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي ؛ قال الربيع : فقال لي المنصور : لا يخرج التميميّ إلا بثلاثين ألف درهم ، فلم يخرج إلا بها . ويقال : إن الربيع لم يكن له أب يعرف ، وإن بعض الهاشميين دخل على المنصور وجعل يحدثه ، ويقول : كان أبي رحمه اللّه تعالى ، وكان وكان ، وأكثر من الترحّم عليه ، فقال له الربيع : كم تترحّم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين ؟ فقال له الهاشمي : أنت معذور يا ربيع ، لأنك لا تعرف مقدار الآباء ، فخجل منه . ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة ، قال للربيع : ابغني رجلا عاقلا عالما ليقفني على دورها ، فقد بعد عهدي بديار قومي ، فالتمس له الربيع فتى من أعلم الناس وأعقلهم ، فكان لا يبتدئ بالإخبار عن شيء حتى يسأله المنصور ،

--> ( 1 ) ورد هذا في البيان 1 : 352 منسوبا إلى شبيب بن شيبة المنقري الخطيب . ( 2 ) الشعر لزهير بن أبي سلمى ؛ ديوانه : 51 .