ابن خلكان

28

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

قال : كنت أخرج من هاهنا ويجيء من هاهنا . وقال حاتم : وقع الثلج ببلخ فمكثت في بيتي ثلاثة ومعي أصحابي فقلت : يخبرني كل رجل منكم بهمته ؛ قال : فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد إلا أن يتوب من تلك الهمة ؛ قال : فقالوا لي : همتك أنت يا أبا عبد الرحمن ، قال : قلت : ما همتي إلا شفقة على إنسان يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين ؛ قال : وإذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز وقد زلق فابتلّت ثيابه بطين ، وقال : يا [ أبا ] عبد الرحمن ، خذ هذا الخبز . قال حاتم : خرجت في سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البرية فكان قلبي في السفر والحضر واحدا . قيل لحاتم : من [ أين ] تأكل ؟ فقال : وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( المنافقون : 7 ) . وقال : لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد ، فما طمع الشيطان أن يوسوس إلي في شيء من أرزاقهم . وقال حاتم : لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي بوهق فأقلبني عن فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكينا ليذبحني بها ، فوحقّ سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه إنما كان قلبي عند سيدي فأنظر ماذا ينزل به القضاء ، فقلت : يا سيدي قضيت عليّ أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين أنا لك وملكك . فبينما أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي إذ رماه المسلمون بسهم فما أخطأ حلقه ، فسقط عني فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده وذبحته ، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات . وقال أبو بكر الوراق : حاتم الأصم لقمان هذه الأمة ؛ قيل : جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة ، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت ، فقال لها حاتم : ارفعي صوتك ، وأرى من نفسه أنه أصمّ ، فسرّت المرأة بذلك وقالت : لم يسمع الصوت ، فغلب عليه اسم الصمم . وجاء إليه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط