ابن خلكان
261
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
كسيرات يابسة ، فعطشت فقمت إلى دنّ فيه ماء حار ، فقلت : رحمك اللّه ! لو اتخذت دنّا غير هذا يكون فيه الماء باردا ، فقال لي : إذا كنت لا أشرب إلا باردا ولا آكل إلا طيّبا ولا ألبس إلا ليّنا ، فما أبقيت لآخرتي ؟ قال : قلت له : أوصني ، قال : صم عن الدنيا ، واجعل إفطارك فيها الموت ، وفرّ من الناس فرارك من السبع ، وصاحب أهل التقوى إن صحبت فإنهم أخف مؤونة وأحسن معونة ، ولا تدع الجماعة ، حسبك هذا إن عملت به . وقال داود الطائي : ما حسدت أحدا على شيء إلا أن يكون رجلا يقوم الليل ؛ فإني أحب أن أرزق وقتا من الليل . قال أبو خالد : وبلغني أنه كان لا ينام الليل ، [ إذا غلبته عيناه احتبى قاعدا ] ؛ ومكث عشرين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء . وقدم هارون الرشيد الكوفة فكتب قوما من القراء فأمر لكل واحد منهم بألفي درهم فكان داود الطائي ممن كتب فيهم ودعي باسمه أين داود الطائي ؟ فقالوا : داود يجيبكم ؟ أرسلوا اليه ، قال ابن السماك وحماد بن أبي حنيفة : نحن نذهب اليه ، قال ابن السماك لحماد في الطريق : إذا نحن دخلنا عليه فانثرها بين يديه فإن للعين حظها ، فقال حماد : رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم يردها ! ! فلما دخلوا عليه فنثروها بين يديه قال : سوءة ، إنما يفعل هذا بالصبيان ، وأبى أن يقبلها . قال حماد بن أبي حنيفة إن مولاة كانت لداود تخدمه قالت : لو طبخت لك دسما تأكله ، فقال : وددت ، فطبخت له دسما ثم أتته به ، فقال لها : ما فعل أيتام بني فلان ؟ قالت : على حالهم ، قال : اذهبي بهذا إليهم ، فقالت : أنت لم تأكل أدما منذ كذا وكذا ، فقال : إن هذا إذا أكلوه صار إلى العرش ، وإذا أكلته صار إلى الحشّ ، فقالت له : يا سيدي أما تشتهي الخبز ؟ قال : يا داية ، بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية . وقال محارب بن دثار : لو كان داود في الأمم الماضية لقصّ اللّه تعالى شيئا من خبره . توفي داود سنة ستين ، وقيل سنة خمس وستين ومائة ، رحمه اللّه تعالى .