ابن خلكان

245

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني « 1 » في حق الخليل بن أحمد في كتابه الذي سماه « التنبيه على حدوث التصحيف » : « وبعد ، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل ، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ، ولا على مثال تقدمه احتذاه ، وإنما اخترعه من ممرّ له بالصفارين « 2 » من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما ، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق اللّه الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ، ومن تأسيسه بناء كتاب « العين » الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة ، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام » انتهى كلامه . وكان الخليل رجلا صالحا عاقلا « 3 » حليما وقورا ، ومن كلامه : لا يعلم الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره . وقال تلميذه النضر بن شميل : أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين ، وأصحابه يكسبون « 4 » بعلمه الأموال ، ولقد سمعته يوما يقول : إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همي . وكان يقول : أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث اللّه تعالى فيها محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثا وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السّحر . وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والي فارس والأهواز ، فكتب إليه يستدعيه ، فكتب الخليل جوابه :

--> ( 1 ) كل المنقول عن حمزة لم يرد في م ومسودة المؤلف ونسختي س ص ؛ انظر التنبيه : 124 . ( 2 ) أ : من ممر له عن الصفائري . ( 3 ) م ج : عالما ؛ أ : عاملا . ( 4 ) د : يكتسبون .