ابن خلكان

207

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ قال الطّرمّاح : أنشدت حمادا الراوية قصيدة لي ستّين بيتا فسكت ساعة ثم قال : أهذه لك ؟ قلت : نعم ، قال : ليس الأمر كذلك ، ثم ردّها عليّ كلها وزيادة عشرين بيتا زادها في وقته . دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين ، فقال له يحيى : يا حماد ، إنك لمترف متبذل بحرّ المتاع ، وقال له مطيع : ألا تبيع هذه المنارة وتشتري بأقلّ ثمنا منها منارة تزيل بها عذرك وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع ؟ وقال له يحيى : ما أحسن ظنك به ! ومن أين له هذه المنارة ؟ هذه وديعة أو عارية ، وقال مطيع : إنه لعظيم الأمانة عند الناس ، قال يحيى : وعلى عظم أمانته فما أجهل من يخرج هذه من داره ويأمن عليها غيره ، قال مطيع : ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال وإلا فمن يخرج هذه من بيته ؟ فقال حماد : يرهنها من يدخلكما على بيته ليلقى عليها من أنواع المداعبة ، وهل عند أحد من المال ما يرهن ؟ ] « 1 » . وذكر أبو محمد الحريري صاحب كتاب « المقامات » في كتابه « درّة الغوّاص » ما مثاله « 2 » : قال حمّاد الرّاوية : كان انقطاعي « 3 » إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته ، وكان أخوه هشام يجفوني لذلك ، فلما مات يزيد وتولى هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق إليه من إخواني سرّا ، فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة أمنت ، فخرجت أصلي الجمعة ، وصليت في جامع الرّصافة الجمعة ، فإذا شرطيان قد وقفا عليّ وقالا : يا حماد ، أجب الأمير يوسف بن عمر الثقفي - وكان واليا على العراق - فقلت في نفسي : من هذا كنت أخاف ، ثم قلت لهما : هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودّعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا ثم أصير معكما ؟ فقالا :

--> ( 1 ) زيادة من د لم ترد في المسودة . ( 2 ) انظر درة الغواص : 177 وفي نقل ابن خلكان بعض اختلاف . والقصة أيضا في تهذيب ابن عساكر . ( 3 ) الدرة : كنت منقطعا .