ابن خلكان

152

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

المقفع هو الذي وضع كتاب « كليلة ودمنة » ، وقيل : إنه لم يضعه وإنما كان باللغة الفارسية فعربه ونقله إلى العربية ، وإن الكلام الذي في أول هذا الكتاب من كلامه . وكان ابن المقفع يعبث بسفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أمير البصرة وينال من أمه ولا يسميه إلا بابن المغتلمة ، وكثر ذلك منه ، فقدم سليمان وعيسى ابنا علي البصرة - وهما عما المنصور - ليكتبا أمانا لأخيهما عبد اللّه بن علي من المنصور ، وكان عبد اللّه المذكور قد خرج على ابن أخيه المنصور وطلب الخلافة لنفسه ، فأرسل إليه المنصور جيشا مقدّمه أبو مسلم الخراساني ، فانتصر أبو مسلم عليه . وهرب عبد اللّه بن علي إلى أخويه سليمان وعيسى ، واستتر عندهما خوفا على نفسه من المنصور ، فتوسّطا له عند المنصور ليرضى عنه ، ولا يؤاخذه بما جرى منه ، فقبل شفاعتهما ، واتفقوا على أن يكتب له أمان من المنصور ، وهذه الواقعة مشهورة في كتب التواريخ . وقد أتيت منها في هذا المكان بما تدعو الحاجة إليه لينبني الكلام بعضه على بعض . فلما أتيا البصرة قالا لعبد اللّه ابن المقفع : اكتبه أنت وبالغ في التأكيد كي لا يقتله المنصور . وقد ذكرت أن ابن المقفع كان كاتبا لعيسى بن علي ، فكتب ابن المقفع الأمان وشدّد فيه حتى قال في جملة فصوله : « ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد اللّه بن علي ، فنساؤه طوالق ، ودوابه حبس ، وعبيده أحرار ، والمسلمون في حلّ من بيعته » . وكان ابن المقفع يتنوّق في الشروط ، فلما وقف عليه المنصور عظم ذلك عليه ، وقال : من كتب هذا ؟ فقالوا له : رجل يقال له عبد اللّه ابن المقفع يكتب لأعمامك ، فكتب إلى سفيان متولي البصرة المقدم ذكره يأمره بقتله ، وكان سفيان شديد الحنق عليه للسبب الذي تقدم ذكره ، فاستأذن ابن المقفع يوما على سفيان ، فأخر إذنه حتى خرج من كان عنده ، ثم أذن له فدخل ، فعدل به إلى حجرة فقتل فيها . وقال المدائني : لما دخل ابن المقفع على سفيان ، قال له : أتذكر ما كنت تقول في أمي ؟ فقال : أنشدك اللّه أيها الأمير في نفسي ، فقال : أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد ، وأمر بتنّور فسجّر ، ثم أمر بابن المقفع