ابن خلكان

142

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ وكان في سنة 299 ادعى للناس أنه إله وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف من الناس ، وانتشر له في الحاشية ذكر عظيم ، ووقع بينه وبين الشبليّ وغيره من مشايخ الصوفية ، فبعث به المقتدر إلى عيسى ليناظره ، فأحضر مجلسه وخاطبه خطابا فيه غلظة ، فحكي انه تقدم إليه وقال له فيما بينه وبينه : قف من حيث انتهيت ولا تزد علي شيئا وإلا خسفت الأرض من تحتك ، وكلاما في هذا المعنى ، فتهيب عيسى مناظرته واستعفى منها فنقل في سنة 309 إلى حامد بن العباس الوزير ، فحدث غلام لحامد كان موكلا بالحلاج قال : دخلت عليه يوما ومعي الطبق الذي عادتي أن أقدمه إليه كلّ يوم ، فوجدته قد ملأ البيت بنفسه وهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه ليس فيه موضع ، فهالني ما رأيت منه ورميت الطبق من يدي وهربت ؛ وحمّ هذا الغلام من هول ما رأى وبقي مدة محموما ، فكذبه حامد وشتمه وقال : ابعد عني ؛ وكان دخوله إلى بغداد مشهرا على جمل وحبس في دار المقتدر ، وأفتى العلماء بإباحة دمه . وكان الحلاج قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل ووافقه على حيلة يعملها ، فخرج الرجل فأقام عندهم سنتين يظهر النسك والعبادة وقراءة القرآن والصوم ، فغلب على البلد حتى إذا تمكن أظهر أنه عمي فكان يقاد إلى مسجده ويتعامى في كل أحد شهورا ، ثم أظهر أنه زمن فكان يحبو ويحمل إلى المسجد حتى مضت سنة وتقرر في النفوس عماه وزمانته فقال لهم بعد ذلك : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم يقول إنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب الدعوة تكون عافيتك على يديه ودعائه ، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء أو من الصوفية لعل اللّه تعالى أن يفرج عني ، فتعلقت النفوس لورود العبد الصالح ، ومضى الأجل الذي بينه وبين الحلاج فقدم البلد ولبس الثياب الصوف الرقاق وتفرد في الجامع فقال الأعمى : احملوني إليه ، فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال له : يا عبد اللّه رأيت في النوم كذا وكذا فادع اللّه تعالى لي ، فقال : ومن أنا وما تحكي ؟ ثم دعا له ومسح يده عليه فقام مبصرا صحيحا ، فانقلب البلد وكثر الناس على الحلاج ، فتركهم وخرج من البلد وأقام المتعامي المبرأ مما فيه