محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

345

أخبار القضاة

عبد اللّه بن محمد بن حفص بن عائشة ، فلما بلغ عبد اللّه بن عائشة أنه مكتوب إليه في ذلك كرهه ، وقال : إن جاءني الكتاب في ذلك استعفيت من النظر بينهما ، وعمل نسخة يستعفى فيها ، ويذكر أن عيسى قاض على بلدة ليس بمعروف ، وأنه لا يأمن من أن يعود عليه بما يكره ، ثم رجع عن رأيه حين جاءه الكتاب ، ووعد علي بن أبان النظر بينهما ، واتعدوا لذلك يوما معلوما ؛ فأرادوا عيسى أن يتحول من مجلسه الذي كان يجلس فيه للحكم ؛ فأبى أن يفعل ، فسئل أن يدخل المقصورة ليحول بين العوام وبينهم لكثرة الناس واجتماعهم ، فأبى أن يفعل ، فصار ابن عائشة إليه في مجلسه فجلس إلى جنبه ، وجلس ابن أبان بين أيديهما فسأل ابن عائشة على أن يجلسه معه ، فأراد ابن عائشة عيسى على ذلك فأبى ، فنظر بينهما على حالهما في مجلسهما ، فادعى على عيسى أشياء ؛ منها أنه أمر بوجىء عنقه ، فأقر عيسى أن قد فعل وأنه استوجب الأدب عندي فأمرت بوجيء عنقه فقال ابن عائشة : فليس من تأديب للقضاة وجئ الأعناق فما كان يؤمنك أن يتلف ؟ فربما غلب من ذلك بعض من يؤمن به فقال : قد كان ذلك ولم أفعله إلا عند استحقاق منه للأدب ، وتفرقوا ولم يلزمه ابن عائشة حكما ، ثم سأل على ابن عائشة العودة للنظر بينهما ، فأرسل ابن عائشة إلى عيسى بعده فأبى عيسى أن يفعل فقال لم تؤمر أن تجعلني خصما أناظره كلما أراد إنما أمرت بالنظر بيننا فنظرت . وكان عيسى سخيا عفيفا ولي القضاء عشر سنين ، وكان ذا مال قبل ولايته فمات وما ورث ولده شيئا وقال : لو وليت على رجل يفعل في ماله ما أفعل في مالي حجرت عليه . ومات في المحرم سنة عشرين ومائتين ، وصلّى عليه قشم بن جعفر بن سليمان . أخبرني إبراهيم بن أبي عثمان ، عن عباس بن ميمون ، قال : سمعت هلال الرأي يقول : لقد كتب عيسى بن أبان سجلات لآل جعفر بن سليمان ، مواريث مناسخة ، وحسب حسابها وكتب ذلك في الكتب بأمر يصير به المفتي فصلا عن القضاة ، قال هلال : هل واللّه لو سكت عن ذلك التفصيل لضقت ذرعا به ؛ قال عباس بن ميمون : سمعت أهل المسجد والأجرياء « 1 » يقولون : أحدث عيسى في القضاء شيئا لم يحدثه أحد لعلمه بحساب الدور ، وكان الرجل يلقي الرقعة فيخرج في يوم من الأيام ليحسب السنة إلى آخرها ثم يكتب له رقعة يتقدم في كل أسبوع في ذلك اليوم . فقال : ولقد كان يكتب السجل يمليه إملاء في مجلسه ، فينتظم أسماء الشهور والشروط ، وما يحتاج إليه في نحو من عشرين حرفا . قال عباس : وكان عيسى متنعما جدا بمليه ؛ لقد رأيته يحكم في منزله بالبصرة ؛ وهو على فرش طبري ، متساند إلى وسائد طبري ، وعليه قميص ورداء قصب ، وبين يديه الريحان . وكان يقول : لو أن رجلا فعل في ماله ما أفعل لحجرت عليه .

--> ( 1 ) الأجرياء : الوكلاء .