محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
338
أخبار القضاة
وكان يحيى قاهر الأمر شديد الأشراف عليه ، سائسا لأصحابه ، صارما في القضاء ، لا يطعن عليه فيه ؛ على أنه قرف بأمور لا يعرف بها القضاة . أخبرني السري بن مكرم ، قال : كتب المتوكل إلى أحمد بن حنبل ، يسأله عن رجلين ، أحدهما : يحيى بن أكثم ، فكتب إليه : أما فلان : فلا ولا كرامة ، وأما يحيى بن أكثم : فقد ولي القضاء ، فما طعن عليه فيه . وكان على البصرة حين قدمها يحيى ، محمد بن حرب بن قطر بن قبيصة بن المخارق الهلالي ، خليفة لصالح بن الرشيد ، فاستعمل محمد بن حرب على أحكام الجامع عبد اللّه بن عبد اللّه بن أسد الكلابي ، فكان يحكم في الشيء من الديون ، ويفرض للمرأة على زوجها ، وما صغر قدره من الأحكام ، فأرسل إليه يحيى بن أكثم : لا تحكمن في أكثر من عشرين درهم فألزمك ذلك في مالك ، فأرسل إليه عبيد اللّه يخبره : أنه لا يلتفت إلى ما أرسل إليه ، فأمر يحيى بن أكثم ، من ينادي على أرسه في مقعده ، فشد عبد اللّه قمطره وأشرف إلى محمد بن حرب فأعلمه ، فوجد محمد بن حرب جماعة من أعوانه ، وأمرهم أن يأتوا بمن وجدوا من أمناء يحيى وذراعه ، فانتهوا إلى المسجد الجامع ، وقد قام يحيى فوجدوا الصلت بن مسعود القيسي ، وإسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد ، فجاءوا بهم إلى محمد بن حرب ، فحكوا عن إسحاق بن إسماعيل كلاما فيه بعض الغلظة ، ولم يحكوا عن الآخرين شيئا ، فلما صاروا إلى محمد ، سل الأعوان صلتا نحو داره لجواره ، وقدم الآخران فشتم إسحاق وأمر به فحبس حتى كلم فيه فأطلقه وقال : لم نجد ليحيى شكرا ، وذلك أن أبا سلمة الداعية قدم قبل ذلك في أمر يحيى يطالبه وغيره من أهل البصرة بأموال ليحيى بن خاقان ، ادعى عليهم أنهم أودعوها ، فحبسهم أبو سلمة ليطالبهم بذلك المال ، وعلى البصرة يومئذ يحيى بن عبد اللّه ، أخو دينار بن عبد اللّه ، وقد كتب إليه يأمر بإنفاذ أمر أبي سلمة ، فاستوحش الناس لما صنع أبو سلمة ، وكاد أمر الصيارفة ينكشف ، فكلم محمد بن حرب يحيى بن عبد اللّه وأبو سلمة حاضر ، فقال : هذا الرجل قد مد يده إلى قاضي البلد ووجوه صيارفته ، حتى أعطب أموال الناس ، وودائعهم عند الصيارفة ، وفي هذا فساد أموال الناس ويكشف أحوالهم ، ولم يؤسر بهذا كله ولا يرضاه السلطان الذي فوقه ، ونحو من هذا الكلام ، فقال أبو سلمة ليحيى بن عبد اللّه : ألم آتك بكتاب السلطان يأمرك بإنفاذ أمري ؟ قال : بلى ، قال : فإني آمرك بحبس هذا فقد أتلف أموال السلطان ، وزين لهؤلاء الخونة الخيانة ، وكسر ما في أيديهم ، فراجعه يحيى بن عبد اللّه وقال : إن مثل هذا لا يحبس ، وقدره يرتفع عما أمرت به فيه ، قال : أنت أعلم فاكتب بهذا ، فأقبل يحيى على ابن حرب ، فقال : يا أبا قبيصة أحب أن تتحول من مقعدك هذا إلى غيره ، فقام فتحول ، فأقبل يحيى بن عبد اللّه ومن يحضره ، فيهم محمد بن عبد اللّه العتبي ، وغيره من وجوه البصرة ، وقد كانوا تواطئوا قبل ذلك على الكلام مع ابن حرب ، ثم حبسوا ، فأقبلوا على أبي سلمة فقالوا : إن الذي أمرت به من حبس هذا الرجل أعظم مما يذهب إليه ، إن