محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
208
أخبار القضاة
فبينما هو كذلك إذ نزل ، فاستقبل رجلا فنظر في وجهه ثم رجع إلى موضعه ، قال : فقال إياس بن معاوية : قولوا في هذا الرجل ؛ قالوا : ما تقول فيه ؟ رجل طالب حاجة ، قال : معلم صبيان ، قد أبق له غلام أعور ، فإن أردتم أن تستفهموه ، فقوموا فسلوه ، فقام إليه بعضنا فسأله ؛ فقال : كان لي غلام نسّاج ، وقد زاغ منذ اليوم ، فقالوا : صف لنا غلامك ، وصف لنا موضعك فقال : أما أنا فأعلم الصبيان بالكلأ ، وأما غلامي فغلام من صفته كذا وكذا إحدى عينيه ذاهبة ، فرجعنا إليه فقلنا : هو كما قلت ، ولكن كيف علمت أنه معلّم ؟ قال : رأيته جاء فجعل يطلب موضعا يجلس فيه ، فقلت : إنه يطلب عادته في الجلوس ، فنظر إلى أرفع شيء يقدر عليه فجلس عليه ، فنظرت في قدره فإذا ليس قدره قدر المملوك ، فنظرت فيمن اعتاد في جلوسه جلوس الملوك فلم أجدهم إلا المعلّمين ، فعلمت أنه معلم ؛ فقلنا له : كيف علمت أنه أبق له غلام أعور ؛ قال رأيته يترصد الطريق والمارة فبينما هو كذلك إذ نزل ، فاستقبل رجلا مقبلا ، فعلمت أنه شبهه بغلامه فنظر في وجهه ، فلو كان غلامه أعمى لعرفه في ترجحه في مشيته ، فعلمت أنه نظر في وجهه إلى عينه ، فعلمت أن غلامه أعور قد ذهبت إحدى عينيه . قرأت في كتابي عن أبي عبد اللّه عمر بن أبي سعد ، عن حسين بن قداس ؛ عن صالح بن محمّد ؛ قال : قال إياس بن معاوية : إني لأعلم يوم ولدت ، قيل له : وكيف علمت ؟ قال : خرجت من ظلمة فلم ألبث إلا يسيرا ، حتى عدت إلى ظلمة ، فذكرت ذلك لأمي ، فقالت : يا بني إني لما ولدتك أردت أن أقوم لحاجة فاكفأت عليك الجفنة مخافة أن يأكلك الذّئب ؛ قال : كانوا في البرّية . وأخبرني عبد اللّه بن الحسن ، عن النّميري ، عن موسى بن الفضل عن مطر بن حمران ؛ قال : شهدت إياسا وجيء بغلام قد سرق أكسية الجمّالين ، فقامت عليه بينة ؛ فقال : اكشفوا عنه فكشفوا ، فلم يكن احتلم ، فقال : لو كان احتلم لقطعته ، اذهبوا به حيث سرق ، فسوّدوا وجهه ، وعلّقوا في عنقه العظام ، واضربوه حتى يدمى ظهره ، وطوفوا به ، فجاء رجل يسعى ؛ فقال : أصلحك اللّه أنه مملوك لي ، فإن فعلت ذاك به كسرت ثمنه ؛ فقال إياس : يعمد أحدكم إلى الغلام لم يحتلم ، فيكلفه الضّريبة ، ولا يحسن عملا يعمله ، فإنما يأمره أن يسرق ويطعمه ، ويعمد أحدكم إلى الجارية ، فيقول لها : اذهبي فأدّي الضّريبة فإنما يقول لها : اذهبي ، فازني وأطعميني . قال : حدّثنا أبو نعيم « 1 » ؛ قال : حدّثنا عبد اللّه بن حبيب بن أبي ثابت ؛ قال : سئل عامر عن شهادة الغلمان ؛ فقال : هو ذا إياس بن معاوية ؛ لا يجيز شهادة الغلمان . حدّثنا علي بن حرب الموصلي ؛ قال : حدّثنا غنّام بن علي ، عن حريث ابن أبي مطر ، عن الحكم ، وحمّاد ، وإياس بن معاوية ؛ قالوا ، في الشيء يخاف أن يفوتك بنفسه : أينما ضربت منه فهو ذكاته . أخبرني عبد اللّه بن الحسن ، عن النّميري ، عن عارم ، عن حمّاد بن سلمة عن إياس بن
--> ( 1 ) أبو نعيم : عبد الرحمن بن نعيم النخعي الكبير .