محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
107
أخبار القضاة
استقضي سعد بعد ذلك فجلده ، عشرين سوطا ؛ ثم عزل سعد بعد ذلك ؛ فلقي ذلك الإنسان ؛ فلم يكلمه الرّجل ؛ فقال له سعد : مالك لا تصنع بعض ما كنت تصنع ؟ قال : هيهات : درست التّوراة بعدك ، فوجدت بين كلّ سطرين منها سعد بن إبراهيم قاض « 1 » . أخبرني عبد اللّه بن الحسن ، عن النّميري ، عن ابن سلمة الغفاري ، عن الهيثم بن حميد بن حفص بن دينار ؛ قال : كان سعد بن إبراهيم عند ابن هشام « 2 » يوما ، واختصم عنده ابن لمحمّد بن مسلمة ، وآخر من بني حارثة ، فقال ابن محمّد أنا ابن قاتل كعب بن الأشرف ؛ فقال : واللّه ما قتل إلا غدرا ، فانتظر سعد أن يغيّرها ابن هشام فلم يفعل حتى قام ؛ فلما استقضى سعد قال لمولاه شعبة ، وكان يحرسه ؛ أعطي اللّه عهدا يا شعبة : لئن أفلتك الحارثي لأوجعنك ضربا ؛ قال شعبة ؛ فصلّيت معه الصّبح ، ثم جئت سعدا ، فلما نظر إليه سعد قال : شقّ القميص ، ثم قال : أنت القائل : إنما قتل الأشرف غدرا « 3 » ؟ ثم ضرب خمسين ومائة ، وحلق رأسه ولحيته ، ثم قال : واللّه لا أفوتنّك الضرب ما كان لي سلطان . أخبرني عبد اللّه بن يوسف الأزدي ؛ قال : حدّثنا المفضّل بن عبد الرحمن أبو غسّان المهلّبي قال : حدّثنا وهب بن جرير ؛ قال : حدّثنا جويرية ؛ قال : حدّثني الصّباح بن ناجية ، وكان قد كتب لسعد بن إبراهيم ، أن رجلا جاء يطلب حقّا ، معه شاهد ورجل ، فشهد « 4 » على شهادة مروان بن أبان بن عثمان ؛ قال له سعد ؛ من شهودك ؟ قال : هذا ، وهذا يشهد على شهادة مروان بن أبان ؛ قال : هل لك شاهد غير مروان ؟ قال : لا ؛ قال : قد واللّه أرى أبطل اللّه ما تطلب ، فرجع إلى مروان ، فأخبره ، فبعث إليه ابنا له يقال له : عبد الملك ؛ حتى انتهى إلى سعد في مجلسه ؛ فقال : إن أبي أرسلني يقول : لم تردّ شهادتي ؟ فو اللّه لأنا خير منك ، وأبي خير من أبيك ، وجدّي خير من جدك ؛ فرفع رأسه ؛ وقال : من هذا ؟ ( وهو أعرف به ) فقلنا : هذا ابن مروان بن أبان ؛ فقال : يا بنيّ قل لأبيك : يرحم اللّه أباك وجدّك ، فأما أنت فلست بخير من أحد ، وأما مسألتك إيّاي : لم رددت شهادته ، فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك كتب إلينا أن نرد شهادة الحمقى ، وإنّ أباك من الحمقى .
--> ( 1 ) يريد الرجل أن سعدا مهما كانت فترة احتجابه فهو - ولا شك - سيستقضي بعد ذلك ، كما دلت عليه التوراة التي رآها وبعد كل سطرين منها قضاء سعد . ( 2 ) هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان ، ولاه المدينة بعد عزل عبد الواحد بن عبد اللّه النضري سنة 106 ه . ( 3 ) قصة كعب بن الأشرف ذكرها البخاري في أكثر من موضع ، وقد ذكرها بالتفصيل في باب من الكذب في الحرب ، وروتها كتب الصحاح . وإنما جلد سعد القائل : إن كعبا قتل غدرا ، لأنه فهم منه التعريض بما فعله لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أمره بقتل كعب ، وقد كان يؤذي الرسول أشد إيذاء ، ويؤلب عليه قريشا ، كما فعل بعد بدر ، وذهابه لمكة ليحضهم على الثأر لقتلاهم . ( 4 ) فشهد : أي شهد الرجل على شهادة مروان .